منتدى عشاق سوريا الأسد
عزيزي الزائر .. أهلا وسهلا بك في منتداك
انت غير مسجل لدينا
يرجى التسجيل .. لإعلامك بكل ماهو جديد ولمشاركتك معنا بآرائك


منتدى عشاق سوريا الأسد

إلى كل محبي الدكتور بشار الاسد
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» فضيحة:(أمريكا منعت مشروعنا بعائد 350 مليار دولارسنوياً!لمحور قناة السويس الذي قدمناه لمبارك!وعـمر! والسيسي!)( نتحدى أن يكذبنا أحد!)
الأحد أغسطس 09, 2015 7:15 pm من طرف النائب محمد فريد زكريا

» بتوجيه من الرئيس الأسد.. العماد أيوب يزور قواتنا العاملة في المسطومة ومحيطها بريف إدلب
الإثنين أبريل 13, 2015 3:28 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» «مُجتهد» يكشف السيناريو القادم لـ«عاصفة الحزم» .. ماذا قال؟!
الإثنين أبريل 13, 2015 3:25 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» هل الحرب على اليمن هي البداية لتنفيذ مشروع امريكا لتقسيم السعودية ؟؟
الإثنين أبريل 13, 2015 3:20 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» جبهات حماه تشتعل..
الإثنين أبريل 13, 2015 3:15 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» آل سعود من عزكم في ذل اليمن إلى ذلكم في عز اليمن
الإثنين أبريل 13, 2015 3:13 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» آلية لضبط الأفواه!!
الإثنين أبريل 13, 2015 3:03 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» "شمس" آل سعود بدأت بـ "المغيب"؟!!
الإثنين أبريل 13, 2015 3:01 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» «الخبر برس» تنشر كواليس محاولة انتقام السعودية من الجزائر
الإثنين أبريل 13, 2015 2:57 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» هل تجبر السعودية بوتين على الرضوخ في نهاية المطاف؟
الإثنين أبريل 13, 2015 2:53 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» التدخل السعودي في اليمن وتدخل إيران وحزب الله في سورية
الجمعة أبريل 10, 2015 4:29 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» مقالات المفكر العربي ناصر قنديل
الجمعة أبريل 10, 2015 4:28 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» نبيه البرجي: السلطان و حصانه الخشبي
الجمعة أبريل 10, 2015 4:22 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» بالتوازي مع الاتفاق الإطاري ادلب واليرموك بؤر إشغال .. والعين على دمشق
الجمعة أبريل 10, 2015 4:20 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» صراع الرايات الإرهابية في مخيم اليرموك.. «داعش» تحاول التمدد الى أطراف دمشق
الجمعة أبريل 10, 2015 4:08 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» السعودية حليفة «إسرائيل»
الجمعة أبريل 10, 2015 4:06 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» تصدع تحالف العدوان على اليمن * الغزو البري بين الخوف والرفض!
الجمعة أبريل 10, 2015 4:04 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» الإمام الخامنئي دام ظله: السعودية ستتلقى ضربة وسيمرغ أنفها بالتراب
الجمعة أبريل 10, 2015 3:59 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» أمين سر تحالف القوى الفلسطينية: مخيم اليرموك ذاهب باتجاه عمل عسكري تشارك فيه القوات السورية والفصائل لطرد داعش
الجمعة أبريل 10, 2015 3:58 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» تصريح مثير لأوباما.. هل أعطى الضوء الأخضر لشن «عدوان خليجي» على سوريا؟!
الجمعة أبريل 10, 2015 3:56 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» انتهاء الجولة الثانية من لقاء «موسكو 2» بالتوافق على ورقة البند الأول فقط
الجمعة أبريل 10, 2015 3:55 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» مفتي السعودية يخرج عن صمته ويرد على فتوى أكل لحم المرأة
الجمعة أبريل 10, 2015 3:53 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» ما صحة «الفرمان» الموجه لرعايا الملك سلمان من اللبنانيين؟! (خضر عواركة)
الجمعة أبريل 10, 2015 3:48 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» الخبر برس: سلاح الجو السوري يستهدف مقر «لواء براق الاسلام» بريف درعا ويقتل نائب «قائد» اللواء ومعه العشرات
الجمعة أبريل 10, 2015 3:45 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» قيادي تركي معارض يروي لـ«الخبر برس» قصة العلاقات الاسرائيلية مع المسلحين السوريين (الحلقة الثانية)
الجمعة أبريل 10, 2015 3:44 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

المواضيع الأكثر نشاطاً
مقالات المفكر العربي ناصر قنديل
صباحيات ناصر قنديل سلسلة يومية
مقالات وتقارير لمراسل قناة العالم الاعلامي حسين مرتضا
مقالات بقلم الكاتبة : دينيز نجم
اخطر وأقوى الفيديوآت لثورة فبرآير [ البحرين ]
متجدد: تغطية أحداث يوم الأحد 24 مارس 2013
مرحبا بكم في منتدى عشاق سوريا الاسد
خبر عاجل:اكتشاف مجرة جديدة فيها نجم واحد اسمه بشار الأسد
أنباء عن استهداف رئيس الوزراء السوري وائل الحلقي بانفجار في آخر أوتوستراد المزة بالقرب من المؤسسة العامة للاتصالات
الحزن يعم سوريا بعد وفاة ولي العهد السعودي !!

شاطر | 
 

 ميلاد يسوع المسيح بحسب الكتاب المقدس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الياس
مراقب عام
مراقب عام
avatar

ذكر
الحمل عدد المساهمات : 6669
تاريخ الميلاد : 07/04/1964
تاريخ التسجيل : 15/09/2012
العمر : 53
العمل/الترفيه : دكتور في تاريخ ومقارنة الأديان
المزاج : متفائل بنعمة الله

مُساهمةموضوع: ميلاد يسوع المسيح بحسب الكتاب المقدس   الثلاثاء ديسمبر 11, 2012 6:57 am

[size=18]ميلاد يسوع المسيح ابن الله

أولاً: البشارة
ثانياً: الميلاد


من شرح إنجيل القديس لوقا.
أولاً: البشارة "وتجسَّد من الروح القدس ومن مريم العذراء".
هذا هو قانون الإيمان الرسولي المسلَّم من الرسل.
وقد خصَّص له القديس لوقا الإنجيلي أصحاحين في بدء إنجيله واستوفاه تاريخياً من جانب العذراء مريم، فوضع أساس الإيمان المسيحي بولادة يسوع المسيح ابن الله الذي نصَّ عليه قانون الإيمان الرسولي.
كما أفرد له القديس متى الرسول أصحاحين في بدء إنجيله أيضاً، واستوفاه تقليدياً من جانب القديس يوسف خطيبها بحسب استلام الكنيسة.
أما القديس يوحنا الرسول، فانطلق بالروح بحسب الوحي الإلهي ليرى المسيح قبل ميلاده بالجسد قائماً في الأزلية مع الله باعتباره أنه هو "الكلمة" أي النطق الإلهي الفعَّال لله. حيث "الكلمة" في المفهوم اللغوي (lÒgoj) لا تعني النطق فقط، بل والفعل أيضاً، لأن "الفعل" كلمة. وقد جاء في الترجمة الفرنسية للإنجيل في الأصحاح الأول لإنجيل القديس يوحنا: "في البدء كان الفعل" (Le Verbe) ثم دخل في مفهوم "الميلاد للكلمة" لاهوتياً فاعتبره تجسُّداً بقوله: "والكلمة صار جسداً" (يو 14:1)، بمعنى صار إنساناً وبالتالي "حلَّ بيننا"، ولكن اعتبر حلوله حلولاً فائقاً عن مستوى البشر فوصفه: "ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً". (يو 14:1).
أما القديس بولس الرسول، فقد كانت أول معرفته بيسوع المسيح أن رآه في السماء بوجه يشرق بلمعان أقوى من الشمس وقت الظهيرة، فكان تعبيره عن ميلاد المسيح في هيئة إنسان بقوله: "الله ظهر في الجسد" (1تي 16:3). وعاد ليكمِّل مفهوم الميلاد كإنسان وقال: "مولوداً من امرأة" (غل 4:4). ولما كان القديس بولس غير مشغول بقصة ميلاد المسيح من عذراء، إذ كان شغله وهمُّه الأوحد أن: كيف صار الله إنساناً، لذلك اكتفى بتحديد ميلاده بدون رجل: "مولوداً من امرأة". وهذا فيه كل مفهوم العذراوية للمرأة التي وُلِدَ منها.
أما القديس مرقس الرسول والإنجيلي، فافتتح إنجيله بتعريف المسيح تعريفاً يحمل مفهوم الميلاد والموت والقيامة معاً مع قصة كرازته وعمله وحياته كلها في معنى البشارة المفرحة. فأوجز استعلانه في بدء إنجيله بقوله: "بدء إنجيل يسوع المسيح ابن الله" (مر 1:1)، باعتبار أن "يسوع" هو اسمه بالميلاد، و"المسيح" لقبه بالصليب، و"ابن الله" لاهوته الأزلي كياناً واحداً لا يتجزَّأ، لأن انشغال القديس مرقس بالرب يسوع لم يكن بتعريفه تاريخياً، ولا وصفه شخصياً، ولا سرد أعماله، بل استعلانه إيمانياً. فالقديس مرقس يقدِّم يسوع المسيح للكنيسة، للإيمان به كمسيَّا ابن الله. ومعنى أن الله أبوه، أنه ليس من أب جسدي، وفي هذا استعلان لميلاده العذري.
تفسير النصوص لتحقيق الإيمان البشارة بحسب القديس لوقا
إنجيل القديس لوقا:

يمتاز إنجيل القديس لوقا أنه بدأ رواية ميلاد المسيح من العذراء في تاريخ مبكِّر أكثر من كل المواضع الأخرى في بقية الأناجيل، لذلك اخترناه أولاً. ومن الأمور المعترف بها ثبوت أصالة إنجيل القديس لوقا التاريخية والتقليدية. ولا يغيب عن القارئ أن القديس لوقا كان زميلاً للقديس بولس في أسفاره. وهنا تنفتح علينا الأصالة اللاهوتية والعمق الإنجيلي والاستقامة الأرثوذكسية. كما لا يفوت على القارئ الاتصال المباشر الذي عاشه القديس لوقا مع يعقوب الرسول أخي الرب في أورشليم لمدة سنتين أثناء سجن القديس بولس في قيصرية: "ولما وصلنا إلى أورشليم (القديس لوقا كاتب سفر الأعمال يتكلَّم) قَبِلَنا الإخوة بفرح. وفي الغد دخل بولس معنا (لوقا وسيلا) إلى يعقوب، وحضر جميع المشايخ" (أع 17:21و18)، وهي المدة التي فتَّش فيها القديس لوقا وبحث وحصل على أصول "الأمور المتيقنة عندنا كما سلَّمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخدَّاماً للكلمة" (لو 2:1). ولكن تأكيد القديس لوقا على المصادر التي استقى منها دقائق قصة الميلاد أنها كما سلَّمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخدَّاماً للكلمة، فهنا لا يمكن أن يفوت علينا قصده الذي يشدِّد عليه بإلحاح. فمَنْ هم الذين كانوا "منذ البدء"، "معاينين وخدَّاماً للكلمة"؟ إلا العذراء نفسها أو أخرى لها سرُّ العذراء؟ ولكن تشديده على القول: "معاينين" يكون قد حصر المصدر الوحيد وهو العذراء في ضميره ولم يقوَ على البوح به، لأن هذا ما اعتزمت عليه العذراء منذ البدء: "وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكرة به في قلبها" (لو 19:2). ومرة أخرى يسجِّل القديس لوقا نفسه هذا الكلام عن العذراء: "وكانت أُمه تحفظ جميع هذه الأمور في قلبها" (لو 51:2).
والسؤال: مَنْ الذي كشف له سرَّ العذراء هذا؟ فمَنْ يقرأ قصة ميلاد المسيح وأمور صَبْوَته يدرك بغير مجال للشك أن القديس لوقا قد حصل على دقائق ميلاد وحياة صَبْوَة المسيح من نفس مصدرها! وهو يوجِّه فكر القارئ وقلبه إلى منتهى تدقيقه في الحصول على صحة هذه الرواية بقوله في البداية لثاوفيلس المرسَل إليه الإنجيل: "لتعرف "صحة الكلام" الذي عُلِّمتَ به" (لو 4:1). والقديس لوقا جعل كلمة "صحة"، وهي الأساس في الجملة تأتي في نهاية الجملة اليونانية - على غير عادة - بشيء من لفت النظر والتأكيد: ¢sf£leian = reality.
ولنا شهادة دامغة من العلماء اللغويين الذين فحصوا رواية القديس لوقا عن الميلاد وصبوة المسيح، إذ قرَّروا أن اللغة اليونانية التي كتب بها القديس لوقا قصة الميلاد بدقائقها تفصح عن أصلها الأرامي وصيغتها الفلسطينية:
إن حقيقة ما جاء في إنجيل القديس لوقا (5:1-52:2) هو بصورة أكيدة يهودي فلسطيني الرواية. وهذه الحقيقة تظهر حتى في أي ترجمة، إذ تنضح بلغة العهد القديم وأسلوب الأنبياء فكراً وروحاً ولغة، مع الإصطلاحات العبرية المشهورة. إذن، فليس القديس لوقا هو مؤلف رواية الميلاد، لأنه أممي يوناني.
نص البشارة:
أ- الجزء الأول (لو 26:1-33).
ب- الجزء الثاني (لو 34:1و35).
جـ- الجزء الثالث (لو 36:1-38).
أ- الجزء الأول: (لو 26:1-33):
26:1: "وفي الشهر السادس (لبشارة زكريا بميلاد يوحنا المعمدان بواسطة الملاك) أُرسِلَ جبرائيل الملاك - (وتفسير اسمه قوة الله) - من الله إلى مدينة من الجليل اسمها ناصرة".
27:1: "إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف، واسم العذراء مريم".
28:1: "فدخل إليها الملاك وقال: سلامٌ لكِ أيتها الممتلئة نعمة الرب معكِ مباركةٌ أنتِ في النساء (وصحتها: أكثر من جميع النساء)".
29:1: "فلما رأته اضطربت من كلامه وفكَّرت ما عسى أن تكون هذه التحية".
30:1: "فقال لها الملاك: لا تخافي يا مريم، لأنكِ قد وجدتِ نعمة عند الله".
31:1: "وها أنتِ ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع".
32:1: "هذا يكون عظيماً وابن العليِّ يُدعى، ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه".
33:1: "ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية".
هذه هي بداية قصة ميلاد المسيح، حيث المبادرة تأتي من السماء فتحيط القصة برهبة وجلال وتدخل بالإنسان في دائرة تدبيرات الله الفائقة للعقل. فبمجرد أن بادر الملاكُ العذراءَ القديسةَ بقوله: "سلامٌ لكِ أيتها الممتلئة نعمة. لا تخافي لأنكِ قد وجدتِ نعمة عند الله"، أدركنا في الحال أنه قد انفتح تاريخ معاملات الله الفائقة بعد أن تعطَّل كل الدهور السالفة. ففي هذه اللحظة الفريدة في نهاية أزمنة شقاء الإنسان، تزاحمت كل مواعيد الله الصادقة والأمينة، إنْ لإبراهيم أو إسحق أو يعقوب أو موسى أو داود وجميع الأنبياء، إذ وجدت لها منفذاً تنحدر منه على رأس هذه الصبية التي خطبها الله لنفسه، ليصنع بها كل مسرات قلبه التي احتجزها للإنسان في قلبه منذ الأزل.
فإن كانت العذراء قد جزعت إلى لحظة عندما انفتح وعيها لترى جبرائيل الملاك أمامها، إلاَّ أنها ارتاحت حالاً إذ أحسَّت بحضرة الله التي غشيتها لما أحاطتها النعمة وملأتها، فتهيَّأت بالفعل والقوة لتقبل منه تدبيرات الأزل. أليس هنا وفي أحشائها سيحلُّ الذي "اختارنا فيه (الله) قبل تأسيس العالم، لنكون قديسين وبلا لوم" (أف 3:1) ونقف أمامه محبوبين. إذن، ليس باطلاً أن يظهر جمهور الجند السماؤي برفقة الملاك الذي بشَّر الرعاة ليسبِّحوا بالفرح العظيم لحظة ميلاد الابن الموعود، ويعطوا المجد لله في الأعالي - التي منها انحدر الابن المحبوب - وعلى الأرض السلام لما وطأت قدماه أرضنا. وكما سبق الله وأعطى لإبراهيم اسم ولده إسحق قبل أن يُحبل به في البطن، إذ كان منه سيأتي النسل الموعود لبركة الأمم، هكذا أعطى الملاك سر الاسم الموعود للعذراء: "يسوع" الذي يحمل معناه خلاص العالم. ولكن لم يكن هذا الأمر مخفياً عن أُذن إشعياء النبي الذي أذاعه على الملأ قبل أن يُسمَّى بسبعمائة سنة: "اسمعي لي أيتها الجزائر واصغوا أيها الأُمم من بعيد. الرب من البطن دعاني، من أحشاء أُمي ذَكَرَ اسمي" (إش 1:49)
ولم تكن هذه البشارة مجرد إطلالة من السماء على بُعد، بل انفتاحاً سماوياً عريضاً وعميقاً على الإنسان. صحيح هي عذراء الله التي اختارها وقدَّسها لنفسه، وقد سبق وأشار إليها بالنبوة على فم إشعياء: "يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل (الذي تفسيره الله معنا)" (إش 14:7)، ولكنها - بآنٍ واحد - عذراؤنا. أفخر مَنْ خرج من صلب آدم وبطن حواء، عيِّنة أفرزتها البشرية بتدخُّل إلهي لتصمد أمام هذا الحدث السماوي الرهيب، لتحمل في أحشائها ابناً جديداً للإنسان موطنه السماء من جنس الله، هو ابنه، وقد حدَّده الملاك تحديداً أنه "ابن العليِّ يُدعى". ولأن العظمة الحقيقية هي لله وحده، فقد قرر الملاك أنه يكون "عظيماً". إذن، فالبشرية قد أصابها في عمقها انفتاحٌ على الله. فلولا أن البشرية أفرزت عذراءَ مثل هذه، ما تنازل الله ليجد في أرضنا كياناً يرتاح فيه. فها هي البشرية تحمل ابن الله لما حملت به العذراء. فإن لزم لزوماً شديداً أن تتقدس العذراء ليحل فيها مولود السماء، إلاَّ أنه لما ولدته تقدَّست به البشرية كلها. فإن كانت العذراء استضافته تسعة أشهر، فقد استوطنت فيه البشرية أبد الدهر. فهو ابننا بحسب النبوة: "لأنه يولد لنا ولد، ونُعطى ابناً، وتكون الرياسة على كتفه..." (إش 6:9). وما عادت السماء وما عاد أبوه يستردُّه منَّا إلا ونحن فيه. فكما انشق بالسر الإلهي بطن العذراء وحلَّ فيها، فقد انشق جسده بسر الموت على الصليب وحللنا فيه. وكما أخذ جسدنا مولوداً، أخذنا جسده قائماً من بين الأموات. وكما "ظهر الله في الجسد"، ظهر الإنسان وتراءى أمام الله في ذات الجسد.
هذا حدث مهيب، سماوي هو، تترامى أصداؤه إلى السماء وسماء السموات ويردِّده الأبد. فهو يملك علينا ولا يكون لملكه نهاية، ونحن نملك معه ونرث فيه إلى كل ميراث الله! ولولا أن أسماعنا أصابها التلف لسمعنا أكثر من هذا، ولسوف نسمع!
ب- الجزء الثاني من البشارة: (لو 34:1و35):
34:1: "فقالت مريم للملاك: كيف يكون هذا وأنا لستُ أعرف رجلاً"؟
35:1: "فأجاب الملاك وقال لها: الروح القدس يحل عليكِ، وقوة العليِّ تُظلِّلكِ، فلذلك أيضاً القدوس المولود منكِ يُدعى ابن الله".
القديسة مريم هنا تنتبه انتباهة روحية لقول الملاك: "ستحبلين وتلدين" وكأن الأمر واقع، وهو بحسب الله حتماً واقع. فالله إن قال يكون، وإرادة الإنسان حتماً منصاعة لا قهراً بل عن طاعة. وهنا تضطر القديسة مريم أن تعلن عن عفَّتها التي كرَّستها لله كما بقسم، فإن كانوا قد خطبوها ليوسف، فقد سبقت وخطبت نفسها لله. فكما أعدَّها الله لنفسه، أعدَّت هي نفسها له! فمن أين تأتيها ثمرة البطن، وبطنها قد تقدَّست لله! والجسد إن تقدَّس اشتعل ناراً، فلا يُرى إلاَّ هيكلاً لله! فإن تساءَلَتْ: كيف يكون لي هذا؟ فليس تشكيكاً فيما يقول الملاك أو عدم تصديق، ولكنه لطلب المزيد من المعرفة ليكون جوابها عن رضى وقناعة. وهكذا لاق بالبطن العُذْريِّ أن يحل فيه روح الله بارتياح. وهكذا استدرجت مريم القديسة الملاكَ ليكمِّل بشارته. فلما قال لها: "الروح القدس يحلُّ عليكِ"، احتوى روح القداسة الرَّحِمَ وصاحبته، فكان بمثابة البذرة الإلهية التي سكنت كيانها الأنثوي. وأما قوة العليِّ التي ظللتها، فكانت بمثابة الحضن الأبوي للابن الوحيد الذي نزل منه. وهكذا حتماً، وبالضرورة، أخذ الجنين منذ ساعته الأولى اسمه الأزلي: "لذلك فالقدوس المولود منكِ يُدعى ابن الله" وهذا ليس مجرد اسم أو لقب، بل كيان إلهي من كيان إلهي: "أنا والآب واحد" (يو 30:10). فإن كان قد خرج من الحضن الإلهي، فقد خرج والحضن لا يزال يحتويه؛ ولكن عودته هي الأمر المذهل لنا حقاً، لأنه يعود مرتفعاً ونحن فيه ليجلسنا عن يمين أبيه.
يحكي المسيح في إنجيل القديس يوحنا عن حقيقة تجسُّده الذي أتمه بجسده الذي أخذه من العذراء، فيقول: "أنا فيكم" (يو 20:14)، وفي المقابل: "اثبتوا فيَّ" (يو 4:15)، وأيضاً: "أنا فيهم" (يو 26:17)، وفي المقابل: "ليكونوا هم أيضاً فينا" (يو 21:17). فكان هو صاحب المبادرة في الاتحاد بالإنسان. ولكن بمجرد أن اتَّحد بجسدنا حصلنا على المقابل الحتمي، أنْ صرنا فيه متحدين، والذي أكمله هو بالاتضاع نكمِّله نحن بالإيمان. فالذي صنعه هو بجبروت تنازله الإلهي ليتحد ببشريتنا، طرحه ليكون حقاً لكل بشر، كل مَنْ يؤمن، إذ أنه لا يستطيع أن يمنع بشراً يطلب ما له فيه: "مَنْ يُقْبِلْ إليَّ لا أُخرجه خارجاً" (يو 37:6). لقد آمنت العذراء بهذا، فكان لها حالاً: "فقالت مريم: هوذا أنا أَمَةُ الرب. ليكن لي كقولك" (لو 38:1)، فكان!
عظيمة هذه العذراء بنت إبراهيم التي جسَّدت إيمان إبراهيم، كإبراهيم الذي "آمن بالرب فحسبه له برًّا" (تك 6:15). والعجيب أن الموعد الذي وُعِدَ به إبراهيم هو هو نفس الذي وُعدت به العذراء فآمنت، فحلَّ في أحشائها ذاك الذي به تتبارك كل أمم الأرض وتتبرر.
وهكذا ونحن أمام رواية القديس لوقا، وبلغة العهد القديم في حوار الملاك مع العذراء، نشعر وكأننا نكمِّل قصة إبراهيم مع الله - نحن الأمم - ونحن على بُعْد أربعة آلاف سنة (هذا نراه نحن الآن): "فقال الرب لي: أحسنت الرؤيا، لأني ساهر على كلمتي لأُجريها" (إر 12:1). نعم "يا ربُّ عملك في وسط السنين أحْيِهِ" (حب 1:3).
"اكتب الرؤيا وانقشها على الألواح لكي يركض قارئها. لأن الرؤيا بعد إلى الميعاد، وفي النهاية تتكلم ولا تكذب، إن توانت فانتظرها، لأنها ستأتي إتياناً ولا تتأخر". (حب 2:2و3).
وصحَّ القول: "أن يوماً واحداً عند الرب كألف سنة!!" (2بط 9:3).
جـ- الجزء الثالث من البشارة: (لو 36:1-38):
36:1: "وهوذا أليصابات نسيبتك هي أيضاً حُبْلَى بابنٍ في شيخوختها، وهذا هو الشهر السادس لتلك المدعوة عاقراً".
37:1: "لأنه ليس شيءٌ غيرَ ممكنٍ لدى الله".
38:1: "فقالت مريم: هوذا أنا أَمَةُ الرب، ليكن لي كقولِكَ. فمضى من عندها الملاك".
كانت مريم في هذه الساعة في أشد الحاجة إلى سند يسند إيمانها بالذي سمعته والذي قالته. وهكذا استدرك الملاك، وأعطى السند وأعطى المشورة، وكأنه يدعوها لاستزادة إيمانها من التي سبقتها في هذه الدعوة العظيمة القدر والفائقة على العقل. وكأنه كان يسمع صوت العذراء في قلبها، أهذا ممكن؟ فبادرها للتو: "ليس شيء غير ممكن لدى الله"، فانتهت مريم من نفسها وقبلت الدعوة برمتها بلا فحص ولا سؤال، كطفل ارتضى أن ينام في حضن أبيه بعد جهد عنيف! وكان بهذا الإذعان لمشيئة الله أن دخل الوعد الإلهي حيز التنفيذ. أما هذا الذي قبلته العذراء فهو ليس بالأمر الهين، بل وليس في اللغة ما يصف هوله ولا روعته، ولا يقوى بشر أن يحدد أبعاده ونهاياته:
أ- فبالنسبة لها: فقد نالت إنعام الله وأعظم كرامة نالها بشر، وكفى أن صارت أُمًّا لابن الله.
ب- وبالنسبة للبشرية: فقد كُتب لها عهد جديد مع الله، هو على مستوى الخَلْق الجديد بعينه. فالذي ملأ الحشا البتولي هو آدم الجديد الذي من جسده ودمه أخذنا خلقتنا الجديدة كأبناء لله، وورثنا فيه موطننا السماوي.
جـ- وبالنسبة للذي وُلد منها: فهو بحسب ما نطق الملاك: "القدوس المولود منكِ يُدعى ابن الله". وهو يكون عظيماً وابن العليِّ يُدعى في العالم وبين الناس كما هو في الله الابن الوحيد المحبوب. من الروح القدس ومن العذراء القديسة وُلد، قدوس بلا عيب ولا خطية، فتأهَّل أن يحمل خطايا العالم كله ويمزِّقها على الصليب ليفدي المسكونة ويخلِّص بني الشقاء، ويقوم ليخلق في جسده بشرية جديدة لله.
زيارة العذراء لنسيبتها أليصابات:
كان لفت نظر الملاك للعذراء أن نسيبتها هي أيضاً حُبلى في شهرها السادس لتلك المدعوة عاقراً، إيحاءً واضحاً صريحاً ينبغي أن تتحقق منه بنفسها لذلك:
39:1: "فقامت مريم في تلك الأيام وذهبت بسرعة إلى الجبال إلى مدينة يهوذا".
40:1: "ودخلت بيت زكريا وسلَّمت على أليصابات".
41:1: "فلما سمعت أليصابات سلام مريم ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت أليصابات من الروح القدس".
42:1: "وصرخت بصوت عظيم وقالت: مباركةٌ أنتِ في النساء ومباركةٌ هي ثمرة بطنكِ".
43:1: "فمن أين لي هذا، أن تأتي أُمُّ ربي إليَّ".
44:1: "فهوذا حين صار "صوت سلامك" في أُذُنيَّ ارتكض الجنين بابتهاج في بطني".
45:1: "فطوبى للتي آمنت أن يتم ما قيل لها من قِبَلِ الرب".
لقد أصاب الملاك الحقيقة حينما أوحى للعذراء بزيارة أليصابات، فقد كانت العذراء في حاجة شديدة وملحَّة للغاية أن تبوح بسرِّها لامرأة مثلها حازت نعمة القدير، تحكي لها عن خبرتها الجديدة التي لم تختبرها عذراء قط. وهذا واضح في سلوك العذراء: "فقامت مريم في تلك الأيام وذهبت بسرعة إلى الجبال إلى مدينة يهوذا". لم تعدم العذراء الهادئة المحبوبة رفقة للسفر من أقرباء وأصدقاء، لأن الرحلة خطيرة وشاقة لعذراء وحدها، فهي لأربعة أيام على أقل تقدير. كان الفرح والبِشْر يملآن قلبها وروحها وهي تطفر على جبال يهوذا التي ملأها داود أبوها بصولاته وجولاته وأصوات مزماره.
كان يلفُّ العذراء رزانة القداسة. فالروح يغمر أحشاءها وقوة العليِّ تظللها، لم تكن تدري العذراء بهذا كله، ولكن هذا كله انكشف لحظة دخولها بيت زكريا الكاهن، فمجد الله لا يُخفى والروح القدس لا يُحجب. فعندما رنَّ سلامها في أُذن أليصابات، فجأة انتفض الجنين في بطن أليصابات، وفي الحال انكشف الحجاب عن وعيها وأحسَّت بالروح القدس يملأ كيانها هي، وأدركت أن الجنين في بطنها إنما يؤدي تحية الفرحة للقائم أمامه في أحشاء العذراء. وهنا صرخت أليصابات ونطقت بالنبوَّة: "مباركةٌ أنتِ في النساء (أكثر من كل النساء) ومباركةٌ هي ثمرة بطنكِ". وانفتح وعي أليصابات لترى الرب في أحشاء العذراء، وفي الحال شعرت بعلو قامة العذراء فدعتها "أم ربي"، وحسبت زيارتها لها شرفاً لها وفرحة ملأت كيانها، وبانسحاق اعترفت بعلو كرامة مريم: "من أين لي هذا أن تأتي "أم ربي" إليَّ التي هي بعينها "الثيئوتوكوس"، أي والدة الإله! التي أقرها مجمع أفسس رسمياً في الكنيسة سنة 431م. وهكذا برؤيا نبوية خاطفة، أدركت أليصابات كل ما قيل للعذراء من قِبَلِ الله، فطوَّبتها: "فطوبى للتي آمنت أن يتم ما قيل لها من قِبَلِ الرب".
وإننا نتعجَّب إن كانت أليصابات وهي ممتلئة بالروح القدس، ونطقت بالنبوة نطقاً واعياً صاحياً بأن العذراء هي "أُمُّ ربي" أي والدة الإله - الثيئوتوكوس - وطوَّبتها فوق جميع النساء، فكيف لا تطوِّبها الكنيسة كلها؟ وكيف تدعوها بغير لقبها كـ "أُم ربي" أي والدة الإله؟ طوباكِ أيتها الكنيسة التي لم تكف قط عن التسبيح للعذراء الثيئوتوكوس الليل والنهار وكل الأيام منذ الدهر وإلى نهاية الدهور.
وما أن نطقت أليصابات بالروح تطويبها: "من أين لي هذا أن تأتي أُم ربي إليَّ" حتى انفعلت القديسة العذراء مريم وفتحت فاها تسبِّح الله بإلهام النبوَّة:
"تعظِّم نفسي الرب، وتبتهج روحي بالله مخلِّصي، لأنه نظر إلى اتضاع أَمَتِهِ. فهوذا منذ الآن جميع الأجيال تطوِّبني، لأن القدير صنع بي عظائم، واسمه قدوس، ورحمته إلى جيل الأجيال للذين يتَّقونه. صنع قوة بذراعه. شتَّت المستكبرين بفكر قلوبهم. أنزل الأعزَّاء عن الكراسي ورفع المتضعين. أشبع الجياع خيرات وصرف الأغنياء فارغين. عَضَدَ إسرائيل فتاه ليذكر رحمة، كما كلَّم آباءنا لإبراهيم ونسله إلى الأبد".(لو 46:1-55).
عندما التهب قلب العذراء بالروح، أنشدت نشيدها كـ "نبيَّة". نعم، آخر نبية في العهد القديم وأول أنبياء العهد الجديد قاطبة. فما من نبية أو نبي في العهد القديم نال من التقديس والنعمة وحلول الروح القدس الدائم وقوة العليِّ مثل ما نالت العذراء، بل وكل طغمة الأنبياء بجملتها لم تحتوِ ولو بفكرها ما احتوته العذراء في أحشائها متجسداً!
وهنا لأول مرة نسمع نشيد الفرح من إيقاع الروح على قيثارة النعمة، بفم عذراء المسيح. فليس من فراغ ولا هو اجتهاد أن تعظِّم الربَّ نفسُ العذراء، فهو تحصيل حاصل. فالعظيم والفريد في عظمته يحتل هيكلها ويضبط فكرها ويحرِّك لسانها، وهي تعظِّمه ليس بالكيل البشري أو بقدرة الإنسان، بل لأن القدير صنع بها عظائم. فمن عظمة ما صنع فيها تعظِّمه في ذاته، وهي لا تضيف عليه ولا له من عندها شيئاً، بل من عظمة نعمته أخذت ولعظمة نفسه ترد. فمَنْ ذا الذي يمنعها من أن تعظِّم؟ ومَنْ ذا الذي يستكثر عليها التسبيح بالروح، والذي تسبِّحه السموات كائن في أحشائها؟
أما ابتهاجها بالروح فليس هو كلاماً ولا هو ترتيلاً، بل هو جمرة نار الله المتقدة في قلبها، اشتعلت نفسها بها ابتهاجاً كمركبة خلاص امتطتها لتصير فوق كل ما في الجسد والدنيا وتربُّص الأعداء! وهوذا زكريا النبي يراها من على بُعْد ويعزز ابتهاجها مرات ومرات: "ابتهجي جداً يا ابنة صهيون، اهتفي يا بنت أورشليم. هوذا ملكك يأتي إليكِ..." (زك 9:9). ولم ترتخِ عين العذراء الناظرة إلى العليِّ عن اتضاع نفسها وبيتها وعشيرتها، ورمت ببصرها في رؤية نبوية ممتدَّة، فرأتنا والأجيال الآتية بعدنا نطوِّب بطنها التي حملت رب المجد، والثديين اللتين أرضعتاه طفلاً في المهد، ونفسها وروحها والجسد، هذا الذي منه تنازل مسروراً وتجسَّد. وقالت وهي لا ترى كيف: إنَّ بقوة ذراعيه صنع القوات، وبنفخة شفتيه شتت المستكبرين، وبموته أنزل الأعزاء عن الكراسي، وبقيامته رفع المتضعين! من جسده المكسور أشبع جياع الروح بخيرات السماء، والأغنياء بذواتهم والدنيا صرفهم فارغين! رفع رأس إسرائيل حبيبه وحقَّق وعد إبراهيم خليله!
فما من منشد من كل المنشدين بلغ قامتها، لا من قبل ولا من بعد!
"فمكثت مريم عندها نحو ثلاثة أشهر، ثم رجعت إلى بيتها".
هنا تنتهي البشارة بحسب إنجيل القديس لوقا يتبعها الميلاد.
ثانياً: الميلاد
مقدمـة

عادت العذراء القديسة مريم من عند أليصابات بعد ثلاثة أشهر بصحبة رفقتها حتى الجليل، علماً بأن العذراء كانت قد تقبَّلت الحمل الإلهي لحظة قول الملاك لها: "الروح القدس يحلُّ عليكِ، وقوة العليِّ تُظللكِ" (لو 35:1)، وردَّت العذراء بعد الاستفسار: "هوذا أنا أَمَةُ الرب. ليكن لي كقولك" (لو 38:1)، بمعنى أنها عند عودتها دخلت بيت يوسف وهي حامل وعلامات الحمل الإلهي بادية عليها! وهنا يتلقفنا إنجيل القديس متى ليكمل لنا الاستعلان الإلهي المكمِّل والمؤكِّد للحمل الإلهي بالروح القدس مضافاً إليه اسم المولود:
"لما كانت مريم أُمُّه مخطوبة ليوسف، قبل أن يجتمعا - وُجِدَت حُبْلَى من الروح القدس - فيوسف رجلها إذ كان بارًّا، ولم يشأ أن يُشْهِرَهَا، أراد تخليتها سرًّا! ولكن فيما هو متفكِّر في هذه الأمور، إذا ملاك الرب قد ظهر له في حُلم قائلاً: يا يوسف ابن داود، لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك، لأن الذي حُبِلَ به فيها هو من الروح القدس. فستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع، لأنه يخلِّص شعبه من خطاياهم". (مت 18:1-21).
وقوله: "يشهرها"، يعني أن يتقدَّم إلى المجمع بطلب فكِّ الخطوبة التي كانت عند اليهود بمثابة الطلاق الذي يترتَّب عليه الرَّجم إن كان بسبب علة. وهنا تلقفه الملاك بإعلان حملها من الروح القدس، وضرورة القيام بإجراء عقد الزواج الشكلي.
التكملة من إنجيل القديس لوقا.
لو 1:2: "وفي تلك الأيام صدر أمر من أُوغُسطُس قيصر بأن يُكتَتَب كل المسكونة".
وقبل أن نأتي على الشرح والتعليق على هذه الآية ننبه ذهن القارئ أن القديس لوقا، وهو طبيب ومؤرخ مُلهم بدأ هنا يُدخِل قصة ميلاد المسيح في عمق التاريخ، وأي تاريخ؟ تاريخ "المسكونة" العام والعلني، إذ بهذا الأمر الإمبراطوري تسجَّل يوسف ومعه مريم في سجلات العالم المدني باعتبارهما أبويْ يسوع رسمياً وبموافقة الملاك. وهنا نعجب من التدبير الإلهي المتقَن، كيف سخَّر الله الحوادث وأخضع تاريخ العالم ليسجَّل ميلاد المسيح في سجلات أعظم دولة! إذ أصبح العالم يؤرَّخ منذ ذلك اليوم لميلاد المسيح: "A.D" "بعد الميلاد". وهنا ندعو: ليت الذين يمجِّدون مسيح التاريخ أن يطأطئوا الرأس لهذا التدبير الإلهي المحكم والفريد فإن أوغسطس قيصر ليس من ذاته وخياله أمر بالاكتتاب المسكوني العام، بل هو عمل الله الذي على أساسه وُلد قيصر وقامت روما! فإن كان منذ الأزل: "أحب الله العالم" حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل مَنْ يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 16:3)؛ إذن، فليستعد العالم لدخول المخلِّص ويسجِّل له يوم دخوله في أفخر سجلاته، محدِّداً يوم ميلاده. وإن كان بسبب إهمال المسجِّلين والمؤرخين تاه منهم تحديد اليوم، غير أن القديس لوقا عمل كل ما في استطاعته أن يحدِّده على أقرب سنة بحسب الاكتتاب العام، ثم مرة أخرى سجَّل بدء خدمة المسيح: "ولما ابتدأ يسوع (يخدم) كان له نحو ثلاثين سنة..."(لو 23:3).
لو 2:2: "وهذا الاكتتاب الأول جرى إذ كان كيرينيوس والي سورية".
هنا يعطي القديس لوقا قرينة لتحدد زمان الاكتتاب، فجعله الأول ليميزه عن أي اكتتاب آخر غير رسمي سبق أن صدر أو أي اكتتاب آخر جاء بعد ذلك. ثم زاد تمييزه بذكر كيرينيوس أنه كان وقتها والياً على سورية. إلى هذا الحد كان القديس لوقا مُدقِّقاً في تحديد هذا الزمان. وللأسف أخفق المؤرخون المحدثون: أولاً: عن فهم قصد القديس لوقا؛ وثانياً: عن الوصول إلى بؤرة هذا التحديد المتقن. وكل هذا وغرض القديس لوقا الهام أن يحدد هذا اليوم المقدس المبارك.
لو 3:2و4: "فذهب الجميع ليُكتتبوا، كل واحد إلى مدينته. فصعد يوسف أيضاً من الجليل من مدينة الناصرة إلى اليهودية، إلى مدينة داود التي تُدعى بيت لحم، لكونه من بيت داود وعشيرته". هنا تضافر العلماء ليحدِّدوا كل الظروف والأسباب التي حَدَتْ بالإمبراطور لإصدار هذا الأمر بالاكتتاب. ويعوزني هنا المكان، ويعوز القارئ القدرة على المتابعة لأُسجِّل له أبحاث ما يقرب من عشرين عالماً من أقوى علماء التاريخ والكتاب المقدس، ولكن يمكن للقارئ الرجوع إلى كتاب العالم هوارد مارشال في كتابه لشرح إنجيل القديس لوقا ص 100 ليطَّلع على مجرد أسماء وأبحاث هؤلاء العلماء.
نستخلص من ذلك: أن الإمبراطور أصدر هذا الأمر بالاكتتاب ليكون عاماً ويشمل كل الأراضي التي تحت سلطانه. والسبب الأساسي هو إدارة وترتيب سياسة الإمبراطورية وتقنين الضرائب. أما بخصوص ذهاب كل واحد إلى مدينته، فكان ضمناً ليسجِّل في سجلات الدولة أملاكه ومخصصاته تحت إشراف الحكام. ولكن يؤكِّد القديس لوقا هنا في الآية (4:2) أن يوسف انطلق إلى مدينة بيت لحم: "لكونه من بيت داود وعشيرته" وهنا إشارة ذكية أن يوسف أدرك بالروح ومن ملابسات إعلان الملاك أنه قد أصبح مسئولاً أمام الله والتاريخ عن عودة العذراء مع ابنها المنتظر، وهو "المخلِّص" رجاء كل اليهود والعالم إلى مدينة أبيه داود، بيت لحم اليهودية، ليولد فيها حسب النبوات وحسب رجاء كل اليهود، الأمر الذي جعله يحمل همَّ وبركة رحلة العذراء السريعة وهي حامل في شهرها الأخير ليتم ميلاد الطفل في مدينة بيت لحم مهما كلَّفه من جهد ومخاطر، واثقاً أن الأمر يخص الله وهو الذي سيعوله. لهذا كان يوسف سريع الحركة للقيام بهذه المخاطرة غير هيَّاب، إذ لم يكن دافعها الاكتتاب بالنسبة لنفسه، ولكن بالأكثر تسجيلاً لميلاد "يسوع" المخلِّص في مدينة داود أبيه. وهذا هو سر الرد على الذين يعترضون كيف يأخذ معه العذراء ويجشِّمها مشقة هذا السفر الخطر وهي مجرد مخطوبة له وليست محسوبة أنها امرأته؟ علماً بأن الملاك كلَّفه رسمياً بأن يمثل نفسه أباً للطفل عندما أمره أن يأخذ العذراء الحامل وهي مخطوبة امرأة له رسمياً، ذلك بحسب الله، ليتصدَّى أمام العالم بأنه رجل مريم وأبو الولد! وهكذا تسجَّل، وهكذا عاش! وهذا هو سرُّ الرد على ذِكر الإنجيل باستمرار أن يوسف كان رجل مريم، وكان بالتالي وحسب أمر الملاك، أباً للمسيح أمام العالم.
بهذا تظهر قصة ميلاد المسيح بأسرارها أنها تحمل كل أسرار حياته وأقواله وأعماله وخاصة اللاهوتية منها، فكل الأسئلة والمآخذ والانتقادات التي يخوض فيها النقاد بالنسبة لحياة المسيح وأعماله تعود أساساً إلى جهلهم بحقائق الميلاد.
لو 5:2: "ليُكتتب مع مريم امرأته المخطوبة وهي حُبْلَى".
هنا يكشف القديس لوقا أهمية هذا الاكتتاب القصوى بالنسبة لميلاد المسيح، كون يوسف سيُسجَّل رسمياً أنه رجل مريم، وبالتالي أبٌ للطفل يسوع. وهنا التركيز واقع على تسجيل سنة ميلاد المسيح رسمياً وبالدرجة الأولى. والآن كيف نبلغ إلى هذه السنة‍؟ فكما سبق وقلنا إنه تأكَّد للمؤرخين المشتغلين بقصة ميلاد المسيح أنه وُلد في أيام حكم هيرودس الكبير: "ولما وُلد يسوع في بيت لحم اليهودية في أيام هيرودس الملك" (مت 1:2). فإن كان موت هيرودس قد تسجَّل سنة 6 ق.م، وكان كيرينيوس قد تولَّى على سورية مرتين، الأولى منها كانت سنة 4-6 ق.م. فبهذا استطاع القديس لوقا أن يحصر تاريخ ميلاد المسيح بدقة إلى أقرب سنة بين 4-6 ق.م. وقد أُضيف من الأبحاث والبراهين التي تمت بواسطة علماء الفلك الكبار مثل كبلر وزملائه، أن ظهور النجم العظيم في السماء بملاحظة علماء الفلك الكلدانيين الذين دُعوا بالمجوس، أمكن رصد تحركاته الثابتة، والتأكُّد من ظهوره في نفس هذا التاريخ أي من 4-6 ق.م. فلو رجعنا إلى نبوة بلعام بخصوص ظهور كوكب يعقوب نجم المسيَّا نرى أن حسابات الفلكيين داخلة حتماً في صميم تحقيق النبوة إنجيلياً: "أراه ولكن ليس الآن، أُبصره ولكن ليس قريباً. يبرز كوكب من يعقوب، ويقوم قضيب من إسرائيل..." (عدد 17:24).
لو 6:2: "وبينما هما هناك تمَّت أيامها لتلد".
إن القارئ ليكاد تنحبس أنفاسه كيف عبرت هذه العذراء القديسة 90 ميلاً من الناصرة إلى بيت لحم في أرض وعرة وهي في أيامها الأخيرة؟ ولكن من أميز صفات كاتب هذه القصة أي القديس لوقا، بل من أميز صفات يوسف، وبالتالي العذراء، وبالتالي الإنجيل، هذه الغلالة من السريَّة التي يلفها الصمت العميق بالنسبة لهذه الحوادث الجسام المليئة بالأعاجيب، وليس إزاء هذا السرد المهيب إلاَّ أن يتذرع الإنسان أيضاً بالصبر في الجري وراء تحقيق هذه الحوادث، وبالصمت لعلَّه يبلغ السرَّ. فنحن بصدد قصة سماوية أشخاصها قديسون وملائكة وقوات فلكية مسخَّرة‍!
لو 7:2: "فولدت ابنها البكر وقمَّطته وأضجعته في المذود، إذ لم يكن لهما موضِعٌ في المنزل".
قلبي على هذه الأم الوحيدة، كيف احتملت المخاض وحدها؟ كيف استقبلت الطفل بيديها؟ كيف قمَّطته وهي منهوكة القوى؟ ماذا شربت وماذا أكلت؟ اشهَدْنَ يا نساء العالمين على أُم المخلِّص، كم عانت؟ وكم تستحق التمجيد؟ عزائي الوحيد أن الرحلة الشاقة ذات الأربعة الأيام والتسعين ميلاً سهَّلت الوضع بحسب خبرة أصحاب التوليد وأهَّلتها لمعونة ملائكية، وأُخفيت عن الإنجيل ليزداد عطفنا عليها وحبُّنا لها.
وهكذا استقبل العالم "المسيَّا" الموعود رجاء كل الدهور "نور إعلان للأمم، ومجداً لشعبك إسرائيل" (لو 32:2) في مذود للبهائم. ويبدو أن في هذا تعيير شديد لإسرائيل، كون المسيح قد استأمن البهائم على حياته ولم يستأمن بيت يعقوب: "اسمعي أيتها السموات وأَصغي أيتها الأرض، لأن الرب يتكلم. ربَّيتُ بنين ونشَّأتهم، أما هم فعصوا عليَّ. الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه، أما إسرائيل فلا يعرف، شعبي لا يفهم" (إش 2:1و3).
وقول القديس لوقا هنا "فولدت ابنها البكر" فهذا بحسب الفكر اليهودي يعني فاتح رحم. والتدقيق هنا على إجراءات التطهير التي أوصى بها الناموسُ الوالدةَ من جهة التطهير الذي أتمَّته بحسب الإنجيل. كما أنه يتحتَّم إجراء طقوس على الابن البكر لتكريسه لله بحسب الناموس (خر 12:13؛ 19:34). علماً بأن البكر له الميراث، فهو وارث لداود حتماً. فهو إذن، وبالضرورة، صاحب مملكة داود أبيه كقول الملاك للعذراء: "ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية" (لو 32:1و33). وبالتالي فهو المسيَّا! هذا هو القصد الإلهي من قوله: "ابنها البكر" (انظر: 2مل 27:3، 2أي 3:21).
يقول التقليد الكنسي على لسان القديس الشهيد يوستين (150م) عمَّا وصله من التقليد الأقدم، إن يوسف ومعه القديسة مريم لما بلغا بيت لحم لم يكن لهما فيها أحد، إذ كانا قد استوطنا الناصرة منذ زمن بعيد. فاتَّجها إلى الخان (المنزل أو النُزُل) (وهو الأوتيل الريفي الذي يستقبل المسافرين مع دوابهم). فلما لم يجدا في المنزل مكاناً التجأ إلى "المغارة" الملحقة - والتي كانت مخصصة للدواب - وباتا فيها. وهناك ولدت ابنها البكر وقمَّطته وأضجعته في المذود. ويعود العلاَّمة أوريجانوس (185-254م)، ويكرر نفس القصة كما استلمها هو الآخر من التقليد. فهي حقيقة متداولة في الكنيسة منذ البدء. ويقول العلاَّمة فارر إنه في أيام القديس يوستين كانت هذه المغارة مزاراً باعتبارها مكان ميلاد المسيح. وقد شيدت الملكة هيلانة كنيسة فوق هذا المكان المقدس سنة 330م. وبعدها بقليل قام الإمبراطور جوستينيان الأول (483-563م) وبنى كاتدرائية كبرى على هذا المكان، ويُقال إن الكنيسة الحالية هي بقاياها أُعيد ترميمها. ويؤكِّد العلاَّمة يواقيم إرميا أن تقليد الكنيسة بخصوص ميلاد المسيح في مغارة بيت لحم مبكِّر للغاية. كما يقرر هذا العلاَّمة أن الرعاة الذين ظهر لهم الملاك، وهم الذين كانوا يحرسون القطيع المخصص للذبائح الهيكلية، كانوا أنفسهم أصحاب هذه المغارة.
وعسير علينا أن نعبر على ميلاد المسيح في مذود للبهائم دون أن ينخطف قلبنا، ما هذا أيتها السماء؟ أهكذا لم يكن بين بني البشر في الدنيا قاطبة مكانٌ يستقبل جسد المسيح الغض إلاَّ مذود للبهائم! نعم كان يتحتَّم أن يكون هذا! حتى يتأهَّل هذا الجسد منذ اللحظة الأولى لدخوله العالم، لكي يسند ظهره في النهاية على خشبة الصليب كآخر مكان، وفي آخر لحظة له في العالم! ليس من فراغ يقول المسيح: "ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يو 33:16)، ولا كان تجاوزاً منه لما قال: "أنا لست من العالم" (يو 16:17)، وقد عيَّر الله الشعب القديم: "أين مكان راحتي" (إش 1:66)؟ وعاد في العهد الجديد يقول: "وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه" (لو 58:9).
إذن، فليفرح وليعتز كل فقراء الدنيا، فلهم نصير وصديق في السماء عاش ومات فقيراً مثلهم، لم يملك عند دخوله العالم إلاَّ الخرق التي قمطته بها أمه، وأخرى ستروه بها على الصليب، وهو يستودع العالم لينطلق إلى مجده الأسنى، ليعدَّ ملكوته للذين غلبوا العالم: "وهذه هي الغلبة التي تغلب العالم: إيماننا" (1يو 4:5)، "ليسوا من العالم كما أني أنا لست من العالم" (يو 16:17)
أول بشرى للميلاد تلقَّاها رعاة ساهرون:
لو 8:2: "وكان في تلك الكورة رعاة متبدِّين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم".
يقول العلاَّمة أدرزهايم اليهودي المتنصِّر الذي كتب حياة المسيح بالتفصيل إنهم فئة من الرعاة مختارين بشروط خاصة من جهة الطهارة والتطهير، يحرسون قطعان الغنم المخصصة للذبائح الهيكلية. وهناك نبوَّة سجَّلها ميخا النبي تقول إن من "برج القطيع" الواقع على أكمة جبل صهيون (وهو يُرى على طريق بيت لحم) يأتي من يملك ويحكم: "وأنت يا برج القطيع أكمة بنت صهيون إليك يأتي، ويجيء الحكم الأول مُلك بنت أورشليم". (ميخا 8:4).
والقارئ يُلاحظ أن النبوَّة على المسيح منصبَّة على مجيئه من قِبَل "بنت" صهيون تعبيراً عن ميلاده من العذراء.
كذلك فإن أحد كتب التراث اليهودي يقول إن من على برج "مجدال عيدر" أي برج القطيع في بيت لحم سيُعلن ميلاد المسيَّا، وهذا البرج يقع على الطريق بين بيت لحم وأورشليم. وهذا ما تم بالفعل إذ ظهر هناك الملاك الذي كلَّم الرعاة.
ولكن لا يمكن أن يفوت على القارئ الملهم، العلاقة السرية ذات المغزى والمعنى، أن أول بشارة بميلاد "حمل" الله الذي يرفع خطية العالم"(يو 29:1) يفوز بها "رعاة ذبائح" الهيكل من الحملان! بل ويولد "حمل" الله في مذود؟ إنها تُحسب صرخة من الوحي المقدس في أُذن القارئ الموهوب وكأنها إصبع تشير كما أشارت إصبع المعمدان: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم" بل ولا يخلو هذا الحبك الإلهي في الرواية ذات الأسرار، لماذا "للرعاة" يُستعلن "الحمل"؟
هذه الإشارة أخذتها الكنيسة المرتشدة بالروح وأسمت كهنتها بـ "الرعاة"، وكأنهم المؤتمنون على سر الحمل يقدِّمونه كل يوم على المذابح ليُشبعوا الرعية!
لو 9:2: "وإذا ملاك الرب وقف بهم، ومجد الرب أضاء حولهم، فخافوا خوفاً عظيماً".
الليل ليل شتاء، وظلمة الشتاء ثقيلة، وأي بصيص نور يجذب الأبصار، فما بالك بنور مجد الله بضياء يملأ السماء والأرض على مستوى البرق، وفي لحظة يلفُّهم النور وكأنهم صاروا في بؤرة الشمس بلا حرارة. فأي خوف يتحتَّم أن يعتريهم؟ وهم رعاة سُذَّج. ولكن الذي يسترعي أبصارنا نحن أن يكون هذا ضياء مجد الرب نفسه، وهو نفسه ملقى هادئاً في المذود يلفُّه قماط! وتم القول: "الذي نزل من السماء (إلى الأرض)، ابن الإنسان الذي هو في السماء" (يو 13:3) مَنْ يفهم ومَنْ يصدِّق ومَنْ يسبِّح؟ أليس هذا المنظر فيه ما يفك أُحجية التجسُّد؟ على المستوى العلني والمنظور.
لو 10:2: "فقال لهم الملاك: لا تخافوا. فها أنا أُبشِّركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب".
"خوف عظيم"، و"فرح عظيم":
أليس هذا هو الإنجيل أي البشارة المفرحة جداً؟ أول مَنْ فسَّره ملاك، وأول مَنْ سمعته آذان رعاة! واللغز هنا بديع، فالبشارة للرعاة، والفرح للشعب، وما على الرعاة إلاَّ البلاغ. وكأنه في مخافة عظيمة جداً يتقبَّل الرعاة البشارة لينقلوها مفرِّحة لجميع الشعب. وهكذا فأول مَنْ سمع البشارة ورأى المولود هم الرعاة، إن في هذا تناسقاً بديعاً.
ولكن نقطة التركيز في هذه الآية أن البشارة بالميلاد فيها فرح عظيم، وكم مرَّة عيَّدنا للبشارة ولم نفرح؟ بل وكم مرة قرأنا وسمعنا البشارة ولم نفرح؟ إن في هذا إشارة إلى عطل في السمع والفكر في تقبُّلنا لأعمال الله وأسراره، لنا آذان لا تسمع! إن الفرح العظيم الذي يكون لجميع الشعب انطلق من الميلاد ليؤسِّس دعامة في قلب الإنسان لا يمحوها الزمن، ارتفعت عالياً يوم القيامة لتنهي عهد شقاء الإنسان إلى الأبد: "أُبشِّركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب" كل الأيام.
لو 11:2: "أنه وُلِدَ لكم اليوم في مدينة داود مخلِّص هو المسيح الرب".
هذا هو "الفرح العظيم"، يقول الملاك: "أُبشِّركم بفرح عظيم... أنه وُلد لكم مخلِّص" نقول تعليقاً على قول الملاك: "الفرح قد وُلِد في أرواحنا وليس في جسدنا. والجسد يموت ويبقى الفرح العظيم نحمله معنا إلى السماء، فلا الموت ولا الحزن ولا العالم يقدر أن يلغي فرحنا. فرحنا في روحنا، فهو بمنأى عن أتعاب هذا الدهر. يشقى الجسد ويمرض ويتألم جداً وطويلاً، ولكن يبقى فرحنا غالباً. المسيح قام، والمسيح لن يموت بعد، وهكذا فرحنا لن يموت إلى الأبد".
هنا دخلت الرواية التاريخ رسمياً، وابتدأ للتو العدّ التصاعدي للصليب. فليس اعتباطاً أن يقرن الملاك المولود بـ "الخلاص". فيوم الرب هو يوم الخلاص بكل تأكيد. فإن كان قد وُلد يسوع حسب تسمية الملاك ليوسف سابقاً، فهو، بآن واحد، مسيَّا الله القادم بالخلاص على كتفيه: "لأنه يخلِّص شعبه من خطاياهم" (مت 21:1).
عيني على الطفل المقمَّط في المذود كيف وُلِد ليُصلب؟ إذ حمل هذه الألقاب جميعها من فم الملاك: "مخلِّص هو المسيح الرب". أما فرحة الرعاة بالحمل المولود، فلأنه سيعفيهم من رعي الغنم لحساب الهيكل ومن سهر الليالي في شتاء بيت لحم القارس، فقد قدَّم نفسه - عوضاً عن جميع خرافهم - مرة واحدة لخلاص العالم كله. فليقفل الهيكل أبوابه ويسرِّح رعاته مع قطعانهم!
لو 12:2: "وهذه لكم العلامة: تجدون طفلاً مُقمَّطاً مُضجعاً في مذود".
وكما أَوحى ملاك البشارة للعذراء القديسة لزيارة أليصابات كونه أعطاها مثلاً لتتأكَّد منه على أنه ليس شيءٌ غير ممكن لدى الله، فهو كما يعطي العاقر ولداً يعطي العذراء حَمْلاً، هكذا ملاك الرعاة أعطاهم العلامة: طفلاً مقمَّطاً موضوعاً في مذود وعلى قيد خطوات من مركز سهرهم! فقاموا كما قامت العذراء وأسرعوا، وكان قصد الملاك على المستوى الأعلى أن يروا المسيَّا رؤية العين ويقين اللمس: "الذي رأيناه بعيوننا، الذي شاهدناه، ولمسته أيدينا، من جهة كلمة الحياة". (1يو 1:1) حتى إذا رأوا ولمسوا وتحققوا، يذيعون خبرتهم هذه التي بالعين واليد: "وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأُظْهِرَت لنا (طفلاً في مذود)" (1يو 2:1). وهكذا صار الرعاة أول الشهود وأول الرسل. ولكن كان الملاك بادئ كل ذي بدء عاطفاً أشد العطف على تلك العذراء الوالدة، فأراد أن يفرِّح قلبها بأعظم شهادة تجيئها في منتصف الليل من فم الرعاة كما رأوا في السماء وسمعوا أن الذي في حجرها تسبحه الملائكة وهو حقاً المسيَّا والمخلِّص.
تجدون طفلاً مُقمَّطاً مُضجعاً في مذود:
منظر لفقر الابن الذي بلغ أقصى قراره، معطياً صورة منظورة لسرِّ الإخلاء من أمجاده غير المنظورة. فالذي هو في صورة الله في البهاء والمجد، أخلى ذاته ليظهر مستضعفاً هكذا في صورة عبد‍‍! عجيب وليس عجباً، أن الذي خلقنا على صورته، يعود ويأخذ صورتنا لنفسه، لكي بنفسه يفدي الصورة التي خلق! عظيم السموات ارتأى أن يُلفَّ بالخرق، لأن الذي هو في حضن الآب اشتهى أن يحتضنه مذود! مروِّع للذهن جداً انحدار الابن من سماواته العُلا إلى تراب الأرض وطين المذود. فأدركنا وارتعبنا أن هذا هو المعادل لانحدار الإنسان من البرارة أمام الله إلى حضيض العصيان وطين الخطية. وما كان المذود إلاَّ توطئة لتمزيق ذات الجسد على خشبة العار، ثم إسناده إلى ظلمة القبر ميتاً. ولكن هي محبة الآب التي أحدرته إلى عالمنا، لكي بميلاده لنا يلدنا له، وليمحو بعاره عارنا، ويلغي بموته موتنا، وببره يبرِّرنا!
لو 13:2و14: "وظهر بغتةً مع الملاك جمهورٌ من الجند السماوي مُسبِّحين الله وقائلين: المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرَّة".
ثلاث تسبيحات على مستوى الثلاثة التقديسات، لأن سرَّ اللاهوت انفتح على عالمنا.
هنا بحسب اللاهوت: إعلان واستعلان معاً. أما الإعلان فبيد ملاك هو "ملاك الرب" الخاص حاملاً إعلاناً من الله للرعاة، وأما الاستعلان فهو استعلان الله نفسه الذي سبق وعبَّر عنه القديس لوقا بأن "مجد الرب أضاء حولهم" بهذا نفهم الفرق بين الملاك وجمهور الجند؛ فالملاك مُرسَل من الله، أما جمهور الجند السمائي فهم خُدَّام العرش المحيطون بالرب يظهرون لحظة استعلان الرب أو ظهوره، وهنا استعلان في السماء وظهور على الأرض!
لذلك يُلاحظ هنا أن التسبحة بدأت أولاً بـ "المجد لله"، وهو صراخ المجد كإعلان تسبيحي لحضور العظمة في ملء السموات العُلا فوق الصبي! أما "السلام على الأرض" فهو لنزول رب السلام لحظة لمس جسد المولود أرض الشقاء ليملأ أرضنا سلاماً لا يُنزع منا إلى الأبد، وأما "في الناس المسرَّة"، فلأن مصدر السرور والفرح الإلهي أخذ لحماً من لحمنا وتجنَّس بجنسنا، ولن ينزعنا عنه إلى الأبد. فيا لسعدنا بالذي وُلد لنا. وهل يُعقل أن يُولَد لنا ولد ونُعطى ابناً هو من السماء وليس من أرضنا، والله أبوه أرسله إلينا ليحملنا إليه؟
كان لابد للملائكة أن تترنَّم في السموات العُلا وتردد صداها الأرض إلى الأبد. فالقدير صنع بنا عظائم، وأحزان البشرية أشرق عليها سلام وفرح!
إن ما يقوم به العالم، ليلة الكريسماس، بالفرح والتهليل بكل آلات الموسيقى والغناء والرقص في كل شارع وميدان وزقاق وركن ويخرج الجميع عن رزانتهم، هو استجابة سنوية لتهليل السماء. ومنذ القديم وإشعياء يترنَّم أيضاً بلسان النبوَّة قبل الميلاد بسبعمائة عام:
"ولكن لا يكون ظلام للتي عليها ضيق. كما أهان الزمان الأول أرض زبولون وأرض نفتالي، يُكْرِم الأخير طريق البحر عَبْرَ الأردن جليل الأمم".
"الشعب الجالس في الظلمة أبصر نوراً عظيماً، الجالسون في أرض ظلال الموت أشرق عليهم نور. أكْثَرْتَ الأُمَّة، عَظَّمْتَ لها الفرح. يفرحون أمامك كالفرح في الحصاد، كالذين يبتهجون عندما يقتسمون غنيمة...".
"لأنه يُولَد لنا ولد، ونُعْطَى ابناً، وتكون الرياسة على كَتِفِهِ، ويُدعى اسمه: عجيباً، مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام. لنمو رياسته وللسلام لا نهاية، على كرسي داود ....


عدل سابقا من قبل الياس في الثلاثاء ديسمبر 11, 2012 7:01 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الياس
مراقب عام
مراقب عام
avatar

ذكر
الحمل عدد المساهمات : 6669
تاريخ الميلاد : 07/04/1964
تاريخ التسجيل : 15/09/2012
العمر : 53
العمل/الترفيه : دكتور في تاريخ ومقارنة الأديان
المزاج : متفائل بنعمة الله

مُساهمةموضوع: رد: ميلاد يسوع المسيح بحسب الكتاب المقدس   الثلاثاء ديسمبر 11, 2012 7:00 am

وعلى مملكته ليثبِّتها ويَعْضُدَها بالحق والبرِّ من الآن إلى الأبد. غيرة رب الجنود تصنع هذا". (إش 1:9-7)
طوباك يا إشعيا، يا مَنْ رأى النور في حَلَكْ الظلام، والسلام والفرح والبر والملكوت في حجر المولود في مذود بيت لحم! وهكذا فإن كانت الملائكة سبَّحت بأفضل ما عندها، فلم تعدم البشرية نبيًّا سبَّح بأعظم منها!
لو 15:2: "ولَمَّا مضت عنهم الملائكة إلى السماء، قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض: لنذهب الآن إلى بيت لحم وننظر هذا الأمر الواقع الذي أعلمنا به الرب".
وكما أسرعت مريم لزيارة أليصابات لتحكي لها ما فعل الرب بها، أسرع الرعاة أيضاً إلى مريم يحكون لها ما أعلمهم به الرب وما رأوه وسمعوه. وكما تشدَّدت مريم بأليصابات، تشدَّدت مريم بالرعاة.
ويقول التقليد إن مغارة بيت لحم كانت مغارتهم فهدتهم إليها أرجلهم. كما يقول في موضع آخر أن الذي هداهم إلى مأواهم القديم مصباح كان يشتعل، وضعه أصحاب الخان على باب المغارة، فكان الرعاة أول إرسالية اختارتها السماء كمندوبين فوق العادة من ذات المهنة يمثِّلون العذارى الساهرات.
لو 16:2: "فجاءوا مسرعين، ووجدوا مريم ويوسف والطفل مُضْجَعاً في المذود".
يا للمنظر العجيب والبهي الذي أُغرم به الشعراء والفنانون في كل عصر. وكم مئات بل آلاف الصور والتماثيل والكريشات التي ملأت البيوت والقصور والكنائس وتباهى بها الملوك والرؤساء والأمراء. وكم يلذ للرسامين أن يجعلوا بجوار أُذن الطفل المولود رأس بقرة أو حمار كأنه يُسِرُّ إليه بفرحتهم ويُحيِّي مقْدِمَه إلى دارهم، وقد أصرُّوا جميعاً أن يتنازلوا عن مذودهم الخصوصي لمزيد راحته، ثم يقدِّمون له شكواهم إذ طال عليهم زمان شقائهم: "لأن انتظار الخليقة يتوقَّع استعلان أبناء الله، إذ أُخضِعَت الخليقة للبُطل ليس طوعاً (وهي بريئة) بل من أجل (آدم) الذي أخضعها على الرجاء (ملعونة الأرض بسببك). لأن الخليقة نفسها أيضاً ستُعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله. فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معاً إلى الآن..." (رو 19:8-22). وكأنه ليس مصادفة أن يختار المخلِّص مكان ولادته بين الحيوانات وينام مرتاحاً في مذودهم، فهي الخليقة التي عانت أكثر ظلماً والتي تعهَّد باستجابة شكواها.
لو 17:2و18: "فلما رأوه أخبروا بالكلام الذي قيل لهم عن هذا الصبي. وكل الذين سمعوا تعجَّبوا مما قيل لهم من الرعاة".
نعم لقد رأى الرعاة عياناً بياناً كل ما سمعوا من الملاك، فكانوا شهود إثبات أثلجوا صدر يوسف والعذراء، وباركوا الحمل ليوم الصليب!
ويبدو أن الرعاة أثاروا حولهم الغرباء الذين اكتظت بهم المدينة فجاءوا مسرعين معهم وسمعوا ونظروا وتعجَّبوا. ولكنهم كانوا ذوي عيون لا تبصر وآذان لا تسمع لأن: "سر الرب لخائفيه" (مز 14:25).
لو 19:2: "وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكِّرة به في قلبها".
وكما تحقق كلام الملاك للرعاة، تحقق كلام الرعاة لكل ما سمعته ورأته العذراء وهي تختزن كل هذه التداخلات الإلهية الفائقة في قلبها. ولكن دون أن يدري القديس لوقا خرجت منه هذه الآية لتفصح بلا أي شك أنه أخذها سماعاً من فم العذراء!
فكون القديس لوقا ينقل لنا ما قاله الملاك وما قاله الرعاة جيد، ولكن أن ينقل لنا ما بداخل قلب العذراء نفسها فهنا يكون قد باح بسرِّ إنجيله وروايته كلها عن الميلاد!.
لو 20:2: "ثم رجع الرعاة وهم يمجِّدون الله ويسبِّحونه على كل ما سمعوه ورأوه كما قيل لهم".
لقد دخل الرعاة شهود سماع ورؤيا وتحقيق لميلاد المسيح، فكانوا علامة تاريخية محقِّقة في رواية القديس لوقا. وبذلك أدخلوا ضمناً قصة الميلاد إلى شهادة تاريخية وجغرافية وسماوية معاً لها وزنها.
(انتهت قصة الميلاد العجيب!) وكل عام وأنتم بألف خير


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
ميلاد يسوع المسيح بحسب الكتاب المقدس
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى عشاق سوريا الأسد :: كوكتيل عشاق سوريا الأسد :: تاريخ & آثار & سياحة-
انتقل الى:  
مواقع صديقة
>