منتدى عشاق سوريا الأسد
عزيزي الزائر .. أهلا وسهلا بك في منتداك
انت غير مسجل لدينا
يرجى التسجيل .. لإعلامك بكل ماهو جديد ولمشاركتك معنا بآرائك


منتدى عشاق سوريا الأسد

إلى كل محبي الدكتور بشار الاسد
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» فضيحة:(أمريكا منعت مشروعنا بعائد 350 مليار دولارسنوياً!لمحور قناة السويس الذي قدمناه لمبارك!وعـمر! والسيسي!)( نتحدى أن يكذبنا أحد!)
الأحد أغسطس 09, 2015 7:15 pm من طرف النائب محمد فريد زكريا

» بتوجيه من الرئيس الأسد.. العماد أيوب يزور قواتنا العاملة في المسطومة ومحيطها بريف إدلب
الإثنين أبريل 13, 2015 3:28 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» «مُجتهد» يكشف السيناريو القادم لـ«عاصفة الحزم» .. ماذا قال؟!
الإثنين أبريل 13, 2015 3:25 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» هل الحرب على اليمن هي البداية لتنفيذ مشروع امريكا لتقسيم السعودية ؟؟
الإثنين أبريل 13, 2015 3:20 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» جبهات حماه تشتعل..
الإثنين أبريل 13, 2015 3:15 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» آل سعود من عزكم في ذل اليمن إلى ذلكم في عز اليمن
الإثنين أبريل 13, 2015 3:13 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» آلية لضبط الأفواه!!
الإثنين أبريل 13, 2015 3:03 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» "شمس" آل سعود بدأت بـ "المغيب"؟!!
الإثنين أبريل 13, 2015 3:01 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» «الخبر برس» تنشر كواليس محاولة انتقام السعودية من الجزائر
الإثنين أبريل 13, 2015 2:57 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» هل تجبر السعودية بوتين على الرضوخ في نهاية المطاف؟
الإثنين أبريل 13, 2015 2:53 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» التدخل السعودي في اليمن وتدخل إيران وحزب الله في سورية
الجمعة أبريل 10, 2015 4:29 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» مقالات المفكر العربي ناصر قنديل
الجمعة أبريل 10, 2015 4:28 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» نبيه البرجي: السلطان و حصانه الخشبي
الجمعة أبريل 10, 2015 4:22 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» بالتوازي مع الاتفاق الإطاري ادلب واليرموك بؤر إشغال .. والعين على دمشق
الجمعة أبريل 10, 2015 4:20 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» صراع الرايات الإرهابية في مخيم اليرموك.. «داعش» تحاول التمدد الى أطراف دمشق
الجمعة أبريل 10, 2015 4:08 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» السعودية حليفة «إسرائيل»
الجمعة أبريل 10, 2015 4:06 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» تصدع تحالف العدوان على اليمن * الغزو البري بين الخوف والرفض!
الجمعة أبريل 10, 2015 4:04 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» الإمام الخامنئي دام ظله: السعودية ستتلقى ضربة وسيمرغ أنفها بالتراب
الجمعة أبريل 10, 2015 3:59 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» أمين سر تحالف القوى الفلسطينية: مخيم اليرموك ذاهب باتجاه عمل عسكري تشارك فيه القوات السورية والفصائل لطرد داعش
الجمعة أبريل 10, 2015 3:58 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» تصريح مثير لأوباما.. هل أعطى الضوء الأخضر لشن «عدوان خليجي» على سوريا؟!
الجمعة أبريل 10, 2015 3:56 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» انتهاء الجولة الثانية من لقاء «موسكو 2» بالتوافق على ورقة البند الأول فقط
الجمعة أبريل 10, 2015 3:55 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» مفتي السعودية يخرج عن صمته ويرد على فتوى أكل لحم المرأة
الجمعة أبريل 10, 2015 3:53 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» ما صحة «الفرمان» الموجه لرعايا الملك سلمان من اللبنانيين؟! (خضر عواركة)
الجمعة أبريل 10, 2015 3:48 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» الخبر برس: سلاح الجو السوري يستهدف مقر «لواء براق الاسلام» بريف درعا ويقتل نائب «قائد» اللواء ومعه العشرات
الجمعة أبريل 10, 2015 3:45 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» قيادي تركي معارض يروي لـ«الخبر برس» قصة العلاقات الاسرائيلية مع المسلحين السوريين (الحلقة الثانية)
الجمعة أبريل 10, 2015 3:44 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

المواضيع الأكثر نشاطاً
مقالات المفكر العربي ناصر قنديل
صباحيات ناصر قنديل سلسلة يومية
مقالات وتقارير لمراسل قناة العالم الاعلامي حسين مرتضا
مقالات بقلم الكاتبة : دينيز نجم
اخطر وأقوى الفيديوآت لثورة فبرآير [ البحرين ]
متجدد: تغطية أحداث يوم الأحد 24 مارس 2013
مرحبا بكم في منتدى عشاق سوريا الاسد
خبر عاجل:اكتشاف مجرة جديدة فيها نجم واحد اسمه بشار الأسد
أنباء عن استهداف رئيس الوزراء السوري وائل الحلقي بانفجار في آخر أوتوستراد المزة بالقرب من المؤسسة العامة للاتصالات
الحزن يعم سوريا بعد وفاة ولي العهد السعودي !!

شاطر | 
 

 سؤال هام للحوار ... سؤال الهوية والتعددية في المجال الإسلامي المعاصر هل مفروض أم مرفوض

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الياس
مراقب عام
مراقب عام
avatar

ذكر
الحمل عدد المساهمات : 6669
تاريخ الميلاد : 07/04/1964
تاريخ التسجيل : 15/09/2012
العمر : 53
العمل/الترفيه : دكتور في تاريخ ومقارنة الأديان
المزاج : متفائل بنعمة الله

مُساهمةموضوع: سؤال هام للحوار ... سؤال الهوية والتعددية في المجال الإسلامي المعاصر هل مفروض أم مرفوض   الأحد ديسمبر 09, 2012 2:04 am

سؤال الهوية والتعددية في المجال الإسلامي المعاصر هل مفروض أم مرفوض

هل يمكن للإنسان الفرد أو الجماعة، أن يفهم نفسه من دون الآخر؟ وهل يستطيع الإنسان أن يستغني عن الآخر؟ أم العلاقة بين الذات والآخر من العلاقات المركبة على المستويين الفردي والجماعي، بحيث أنه لا يمكن فهم الذات إلا بفهم الآخر، وبالتالي فإن العلاقة بين الذات مهما كان عنوان تعريفها، هي بحاجة إلى الآخر مهما كان عنوانه وتعريفه؟
فإذا كان عنوان الذات دينيا، فإن هذه الذات بحاجة ماسة لفهم ذاتها وللعيش الإنساني السليم مع الآخر الديني. وإذا كان عنوان الذات قوميا أو عرقيا أو مذهبيا، فإنه لا يمكن لهذه الذات من إدراك حقائق الحياة دون نسج علاقات سوية مع الآخر. فالآخر بكل دوائره، هو مرآة الذات بكل دوائرها. ومن يبحث عن ذاته لا يمكن القبض على حقيقتها وجوهرها دون استيعاب الآخر وفهمه وإدراك حاجاته ومتطلباته. فالآخر هو مرآة الذات، ولا ذات حقيقية دون آخر حقيقي. لذلك فإننا نعتقد ومن منطلق فلسفي ومعرفي أن كل دعوات الاستغناء عن الآخرين مهما كانت مبرراتها ومسوغاتها أو عناوينها هي دعوات لا تنسجم ونواميس الحياة الإنسانية.
فدعوات نفي الآخر واستئصاله لم تؤد ولن تؤدي إلا إلى تشبت الذات بكل خصوصياتها وحيثياتها المباشرة وغير المباشرة.
لذلك فإننا نرى أن كل الأيدلوجيات والنزعات الاصطفائية والتطهيرية لم تفض إلا إلى المزيد من بروز الهويات الفرعية والخصوصيات المراد طمسها وتغييبها.
وعليه فإن الآخر الديني هو ضرورة وجودية للذات الدينية. كما أن الآخر المذهبي هو ضرورة وجودية ومعرفية للذات المذهبية، وهكذا بقية العناوين ودوائر الانتماء التي تحدد معنى الذات والآخر. فالذات التي لم تتجاوز حدودها على حد تعبير الكاتب المصري سمير مرقص مهما كان ثراء هذه الذات ومهما حملت من خبرات، تظل في حاجة كيانية ماسة إلى أن تعبر هذه الحدود انطلاقا من احتمالية أن الآخر قد يحمل ثراء وخبره لم تعرفها، أو قد تدركها الذات من جهة، وأن استمرار الذات في الوجود يعتمد إلى حد كبير على اختبار ما لدى هذه الذات من غنى وخبرة بالتفاعل أو باكتشاف على الأقل ما لدى الآخر من جهة أخرى.
والآخر بحكم التعريف هو مغاير للذات، ويظل منطقة تحتاج إلى الإدراك.
والذات في عملية خروجها إلى الآخر اكتشافا إنما تعيد اكتشاف نفسها، وربما تبدأ في إدراكها. والذات لا يمكن أن تكون ذاتا إلا بوجود الآخر.
فمن يبحث عن اكتشاف ذاته ومعرفة منظومته القيمية والثقافية، فعليه بالتواصل مع قيم الآخرين ومنظوماتهم الثقافية.
فالعزلة والانكفاء لا يقودان إلى اكتشاف الذات، حتى ولو كان خيار العزلة خيارا أيدلوجيا.
والنظرة النرجسية إلى الذات وقيمها وما تملك من مبادئ ومعارف لا تؤدي أيضا إلى إدراك وفهم حقيقة الذات الثقافية والقيمية، وذلك لأن النزعة النرجسية لدى الإنسان تقوده إلى شعور وهمي بالاستغناء عن الآخرين بكل معارفهم ومكاسبهم العلمية والحضارية. فلا العزلة تقود إلى الفهم واكتشاف الذات، ولا الاستغناء عن الآخرين، والتكور والتمحور حول الذات يفضي إلى اكتشافها وإنما يفضي إلى بناء صورة نمطية حول الذات، ليست قادرة على استنهاض الإنسان واكتشاف قدراته وطاقاته الكامنة. وحده التواصل والانفتاح هو الذي يقود إلى اكتشاف الذات. من هنا نصل إلى حقيقة اجتماعية وحضارية مهمة. وهي أن العزلة ليست هي وسيلة الدفاع الحضارية والثقافية عن الذات، بل هي تعد وسيلة للهروب من استحقاقات الراهن. ولم يسجل لنا التاريخ تجربة إنسانية عن مجتمع تمكن من حفظ ثوابته وصيانة مكتسباته من خلال الانكفاء والانعزال. ويبقى الانفتاح الرشيد والتواصل العلمي والثقافي والاجتماعي بين مختلف التعبيرات والمكونات هو وسيلة الدفاع عن الذات. فالتمسك بالثوابت والدفاع عن الخصوصيات لا يمكن أن يتحقق بانغلاق الذات، وإنما بانفتاحها وتواصلها المستديم مع الآخر. ومهما كانت التباينات ونقاط الاختلاف، لا مبرر حقيقي للانكفاء والانعزال. بل على العكس من ذلك تماما. ولا يمكن إدارة الاختلافات الدينية والمذهبية والفكرية دون تواصل المختلفين مع بعضهم البعض.
لهذا كله فإننا نعتقد وبشكل عميق أن اكتشاف الذات يتطلب الاهتمام بالأمور التالية:
1- أن الإنسان مهما امتلك من إمكانيات وكفاءات وطاقات لا يستطيع أن يحقق ذاته ويعزز مكاسبها العامة دون نسج علاقات طبيعية وسوية مع محيطه الاجتماعي والثقافي والوطني.
فالإنسان السوي لا يمكنه الاستغناء عن الآخرين، وإنما من الضروري أن ينسج علاقات سوية معهم. ولا ريب أن بوابة هذه العملية هو الانفتاح والتواصل والتعاون مع الآخرين. فالعلاقة شرطية وجدلية في آن واحد (على حد تعبير الكاتب سمير مرقص) بين الذات والآخر. وهذه العلاقة غاية في التعقيد، حيث يصبح الآخر شرطا لتحرر الذات من ذاتية عمياء لا ترى إلا نفسها وربما لا تراها ومن ثم تحمل نهاية لصيرورتها، وهنا يكمن البعد الشرطي في العلاقة. وفي الوقت نفسه فإن تحرر الذات من حدودها والخروج إلى الآخر، إنما يعني التجدد بإدراك نقاط القوة لدى الآخر والتي تعني نقاط الضعف لدى الذات، ما يعني تحقق البعد الجدلي في العلاقة، والعكس صحيح بطبيعة الحال. هذا بالإضافة إلى تصحيح الصور النمطية أو الرؤى سابقة التجهيز التي يشكلها كل طرف من الطرفين الذات والآخر بعضهما عن بعض.
2- أن الآخر المختلف ليس موضوعا للنبذ والإقصاء والسباب والشتيمة، وإنما هو موضوعا للحوار والتواصل والتعارف. وإن الاختلافات والتباينات مهما علا شأنها لا تشرع لأحد ممارسة الحيف والظلم بحق الآخر المختلف. فالمطلوب من كل الأطراف ليس التنابز بالألقاب، وممارسة سوء الظن المتبادل، وإنما المطلوب هو ممارسة العدل تجاه بعضنا البعض. ولا يمكن أن نحقق مفهوم العدل في العلاقة مع المختلف، بعيدا عن قيم الحوار والتواصل والتعاون. فليس عيبا أن نختلف، لأن ذلك من لوازم الحياة الإنسانية، ولكن العيب كل العيب حينما يقودنا هذا الاختلاف إلى الخصام والعداء المتبادل.
في سياقات الهوية
لا نجانب الصواب إذا قلنا: إن التطورات الحديثة بأشكالها المختلفة ومؤسساتها المتنوعة وآفاقها الرحبة لا تلغي ضرورة الانتماء إلى هوية واضحة المعالم، ضاربة بجذورها في عمق التاريخ والمجتمع. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون مؤسسات العلم الحديث هي البديل عن الانتماء إلى تلك الهوية. كما يطالب (جوزيف شتراير) حينما يقول: (لقد أصبح ممكنا الاستغناء عن الطرق القديمة، لعثور المرء على هويته داخل مجتمع ما. إن شخصا دون عائلة، ودون مسكن ثابت، ودون انتماء ديني، يمكن أن يعيش حياة مكتملة بصورة كافية). وإن هذه النظرة وأمثالها، التي تنظر إلى عملية الانتماء إلى هوية وطنية ثابتة، وعلى صلة عميقة بالجذور التاريخية والدينية كمسألة ثانوية، أو بإمكان الإنسان أن يستبدلها بهوية أخرى متحركة. لا شكَّ أن هذه النظرة تدفع باتجاه إلغاء الضوابط الأخلاقية والاجتماعية، وتقضي على عملية الاستقرار النفسي التي توفرها الهوية المنسجمة والمعبرة عن التكوين العقدي للناس. وإنَّ الهوية حينما نتمسك بها بشكل إيجابي وواع، ونترجم قيمها ومبادئها إلى خطط عمل وبرامج حضارية هي التي تصنع التطورات والأشكال المؤسسية الحديثة. ولا يمكننا بأي شكل من الأشكال أن نعتقد أن الأشكال المؤسسية الحديثة، الخاضعة للتحول والتطور، هي التي تخلق لنا هوية وثابتا وطنيا نسير عليه.
فالهوية هي التي تصنع العمران الاجتماعي والحضاري، وليس العكس. فليس صوابا أن تحل التكنولوجيا محل الهوية والانتماء الحضاري، لهذا نجد أن عمليات المسخ والتبديل الحضاري التي مارسها الاستعمار بحق الشعوب المستعمرة ذات التاريخ والحضارة لم تؤد إلى تخلي تلك الشعوب عن هويتها. بل كان لتلك العمليات الخارجية الدور الأساس في تكريس الهوية في نفوس الناس وتشبثهم بها. لهذا كانت دائما الهوية بعناصرها العقدية والثقافية تشكل عنصرا أساسيا لتوازن الكيان المجتمعي، بحيث إن وجود أي خلل في هذه المسألة يعني على المستوى العملي بداية التراجع الحضاري. فوظيفة الهوية الأساس هي صياغة الكيان المجتمعي، بما يتناغم والمنطق العقدي والتاريخي لتلك الجماعة البشرية. وفي كل الحقب التاريخية التي مر بها الإنسان على وجه هذه البسيطة، كان لغياب الهوية أو ضمورها الدور الجوهري في دخول الكائن البشري في نفق اللاتوازن واللاستقرار النفسي والاجتماعي. وفي المقابل كان الاستقرار النفسي والاجتماعي كقاعدة لتطوير الإنتاج وتحسين ظروف المعيشة المادية والمعنوية رهينا بحسن العلاقة التي تربط تلك المجموعة البشرية بهويتها وعناصرها العقدية والحضارية.
فالتاريخ الحقيقي الذي يتجه إلى صنع المنجز الحضاري لأي مجتمع يبدأ منذ اتساق العلاقة بين الحركة الاجتماعية والهوية، بحيث تكون الحركة الاجتماعية مجسدة لعناصر الهوية الذاتية للمجتمع. وهذا ما يقربنا من المفهوم الاجتماعي للزمن، بحيث إن حركة الناس العشوائية تبقى خارج التاريخ وعلى هامشه. بمعنى أن هذه الحركة لا تقود إلى توظيف كل الطاقات والقدرات في سبيل بناء الواقع الحضاري. وإنما هي حركة في أحسن الظروف تقليدية، لاهثة وراء منجزات الغير لاقتنائها، دون تمثل القيم الأصلية التي أوجدتها، وكأن الحضارة سلعة تباع وتشترى. إن الهوية بعناصرها العقدية والحضارية. بمثابة القدرة الخلاقة المستمرة التي تمد الكيان الاجتماعي بأسباب وعوامل تحقيق التوازن بين الحاجات المادية والمعنوية، الروح والجسد، المصلحة الفردية والجماعية، الدولة والمجتمع، الداخل والخارج. وهكذا تكون الهوية هي صانعة التضامن بين أبناء المجتمع، وبها يسعى أبناء المجتمع جميعا إلى تحصيل الكمالات الإنسانية، والدخول في غمار منافسة الأمم والشعوب، على بلوغ سبل العلم والمدنية والحضارة. وإن أفول نجم الهوية أو التخلي عنها يورث المجتمع نمطا من التقليد الأعمى لشعوب العالم وطرائقهم في الحياة. وكتب (إدريس شرايبي) تصويرا رائعا إلى هذه الحالة يقول فيها: تصور أن زنجياً ابيضّ بين ليلة وضحاها، ولكن بقى أنفه أسود، بسبب إهمال القدر! كنت أرتدي سترة وبنطالا، وفي قدمي زوج من الجوارب وقميص وحزام على الخصر ومنديل في جيبي. كنت فخورا، كنت مثل أوروبي صغير، ولكني وجدت نفسي مضحكا عندما وقفت بين أصدقائي، ولقد كنت مضحكا فعلا. فالمنظور الذي ينبغي أن ننظر من خلاله إلى مسألة الهوية، ليس بوصفها معادلا موضوعيا للتقليدية والماضوية، كما أن الحداثة ليست معادلا موضوعيا للغرب والنموذج الحداثي الأوروبي. إننا ينبغي أن ننظر إلى الهوية، بوصفها تنمية سريعة ومتينة لكل طاقات الأمة في سبيل البناء والتطور.
بمعنى أن خيارات النهوض الثقافي والحضاري، وتجاوز المآزق الراهنة التي تعاني منها الأمة، لا تتم إلا على قاعدة انسجام هذه الخيارات مع هوية الأمة ومعادلتها الذاتية، أو منبثقة من مضمون الهوية والذات الحضارية. ودائما حسن العلاقة مع الهوية بمكوناتها الأصلية كفيل بأن يعيد للأمة حيويتها الحضارية، ويقوي من إمكانات قيامها بدورها التاريخي تجاه العالم.
ويكفي أمتنا عشرات السنين وضخامة الإمكانات والطاقات التي بذلت في سبيل النهوض اعتمادا على خيارات ومشاريع نهضوية ليست منسجمة وهوية الأمة. فكانت المحصلة النهائية لكل تلك الخيارات والمشاريع هي المزيد من التراجع الحضاري واستفحال المآزق الداخلية، بحيث إن الأمة أصبحت مكبلة بمجموعة من القيود الداخلية والخارجية التي تمنع على المستويين النظري والعملي من انطلاقة الأمة حضاريا. فالتطور العلمي والتكنولوجي الهائل، الذي أسقط الحدود وأوصل مناطق العالم ببعضها البعض حتى أضحى (قرية كبيرة) حسب تعبير (ماك لوهان) والتوسع المعلوماتي الهائل كل هذه التطورات قد تجرف الإنسان إلى مهاو سحيقة، أو في أحسن التقادير تحوله إلى لاهث وراء الجديد من التكنولوجيا وصناعة المعلومات. لهذا فإن القاعدة الأساسية للتعامل مع هذه التطورات، هي تأسيس حالة من التوازن المجتمعي، حتى يتمكن المجتمع من ملاحقة التطورات دون إضاعة الذات. ولاشك أن تأسيس عملية التوازن المجتمعي لا تتم إلا على قاعدة الهوية وتفعيل عناصرها في الوجود الاجتماعي الشامل. وهذا لا يعني أن الهوية التي نطالب بإحيائها في الوسط الاجتماعي تؤدي إلى نظام مغلق، موغل في العزلة والابتعاد عن حركة الحياة. إنما ندعو إلى التمسك بالنظام الثقافي الذي يتضمن مجموعة من القيم والمبادئ، التي ما إن تمسكنا بها، وعملنا على إحيائها في مسيرتنا، إلا وتشبثنا بأسباب التحضر وعوامل التمدن في مختلف الحقول والمجالات، لأن هذه القيم تستنفذ في الإنسان كل الطاقات والإمكانات لوصل المسيرة التاريخية للأمة. وتجاوز كل عناصر القطيعة مع الأمة حضاريا. ولا شكَّ أن عملية الوصل والاتصال بين راهننا وحضارتنا تشكل الوعاء الحاضن، والحقل المناسب الذي تنمو فيه كل عمليات التجديد والإبداع الثقافي.
وجماع القول: إن من يطلب هوية واحدة بعيدة عن التنوع يطلب أمرا مستحيلا في الفطرة والناموس الاجتماعي (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة).
الهويات المركبة
عديدة هي المشروعات الأيدولوجية والفكرية والسياسية، التي تعمل وتوجه كل طاقاتها وإمكاناتها من أجل إنجاز هويتها البسيطة. أي الهوية أو العنوان العام، الذي يشكل ركيزة المشروع الأيدلوجي أو الفكري أو السياسي.
ولم تتاون هذه المشروعات الشمولية عن استخدام القوة والقهر، لتعميم أيديولوجيتها وهويتها، والعمل على إفناء وطمس كل الهويات والعناصر الثقافية والأيدلوجية المغايرة لها.
لهذا نستطيع القول: إن هذه المشروعات بشكل أو بآخر مارست القهر تجاه مكونات مجتمعها، وتوسلت بوسائل السلطة من أجل دحر بعض الخصوصيات، وإبراز وإظهار خصوصيات أخرى. ويبدو أن هذا النهج هو أحد المسئولين الأساسيين عن العديد من الأزمات والتوترات العمودية والأفقية، التي تعاني منها بعض مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وذلك لأنه وبفعل عوامل وأسباب ذاتية وموضوعية عديدة لا توجد هويات بسيطة في حياة الجماعات البشرية. وإنما جميع الهويات الموجودة والتي تعرف الجماعات الإنسانية نفسها هي هويات مركبة، بمعنى أنها نتيجة روافد وقنوات عديدة، أسهمت في صياغة الوضع أو الصورة الثقافية والأيدلوجية الراهنة لكل الأفراد والجماعات البشرية.
فالعلاقة بين الأنا والآخر ليست بهذه الحدية والقطعية التي يتصورها أصحاب الرؤى الشمولية والمشروعات الأيدلوجية ذات الطابع المانوي إما مع أو ضد. فبعض الآخر الثقافي والاجتماعي هو من الذات الثقافية والاجتماعية، كما أن بعض الذات الثقافية والاجتماعية هي من الآخر الثقافي والاجتماعي. وتصبح كل الهويات العامة للمجموعات البشرية هي هويات مركبة، اشتركت عوامل ورافد عديدة في صنعها وبلورتها. ومن يبحث عن الهوية الخالصة والصافية فهو لا يجدها إلا ذهنه ونظرياته الأيدلوجية.
أما الوقائع الإنسانية والاجتماعية فهي تثبت بشكل لا لبس فيه أن هويات الناس أضحت مركبة. بمعنى التداخل الثقافي والاجتماعي والنفسي بين الأنا بكل مستوياتها والآخر بكل مستوياته ودوائره. لذلك فإن كل جهد فردي أو مؤسسي، يستهدف الهوية الخالصة، هو جهد تعصبي، لأنه سيعمل على معاداة بعض الجوانب أو المجالات الثقافية أو الاجتماعية الموجودة في الفضاء العام.
والتعصب في أحد وجوهه يعني كل عمل نظري أو عملي، يستهدف تعميم رؤية أو موقف، ويتوسل في سبيل ذلك بوسائل عنفية أو قهرية أو هما معا. كما أن الشعور بالاستغناء عن الآخرين، أو الاعتقاد أن ما عند الذات أرقى وأصفى مما لدى الآخر، هو أيضا يؤسس لنزعة اصطفائية/ طوباوية، لا تنسجم ومقتضيات الوقائع الإنسانية والاجتماعية. فأغلب الأفراد اليوم إن لم يكن كلهم يحتضنون في عقولهم ونفوسهم مجموعة دوائر من الانتماء والروافد التي تغدي نفسه وعقله في آن. لهذا فإن قسر الناس على دائرة واحدة، أو شكل واحد للهوية، يفضي إلى تشبث هؤلاء الناس بكل خصوصياتهم ودوائر انتماءاتهم المتعددة وعناصر هويتهم المركبة. ولعل عملية القسر والقهر على هذا الصعيد هي التي تؤسس للكثير من عناصر التأزم والتوتر في مجالنا العربي والإسلامي. ولقد أجاد الأديب الفرانكفوني (أمين معلوف) في كتابه (الهويات القاتلة) في بيان هذه الحقيقة، فالتعامل التعسفي والقهري مع الروافد المتعددة لهوية الإنسان فردا وجماعة هو الذي يحول في المحصلة النهائية هذه الهوية إلى هوية قاتلة. إذ يقول: (تتكون هوية كل من الأفراد من مجموعة كبيرة من العناصر، لا تقتصر بالطبع على تلك المدونة على السجلات الرسمية، فبالنسبة إلى الغالبية العظمي هنالك الانتماء إلى دين أو جنسية وأحيانا إلى جنسيتين، أو إلى مجموعة إثنية أو لغوية، إلى عائلة ضيقة أو موسعة، إلى مهنة أو مؤسسة كما إلى بيئة اجتماعية. لكن اللائحة قد تطول أيضا، ويمكن الافتراض أنها لا تقف عند حد، إذ يمكن الشعور بانتماء نسبي إلى مقاطعة أو قرية أو حي، إلى عشيرة أو فريق رياضي ومهني أو زمرة من الأصدقاء، إلى نقابة أو شركة أو جمعية أو أبرشية. وإلى رابطة من الأشخاص تجمعهم أهواء مشتركة. بالطبع إن هذه الانتماءات ليست على درجة متساوية من الأهمية في الوقت نفسه على الأقل. لكن لا يمكن إغفال أي منها إغفالا تاما، فهي العناصر المكونة للشخصية، أو ما يمكن تسميته (جينات النفس) شرط التأكيد أن أغلبها ليس غريزيا).
وطبيعة العلاقة مع هذه العناصر من قبل الواقع الخارجي أي المحيط بكل دوائره هو الذي يحدد نوعية العلاقة التي تربط الإنسان بعناصر هويته المتعددة.
فإذا كانت علاقة صادمة، ومتعسفة، وقهرية، فإن هذا الإنسان سيندفع عقليا ونفسيا للتمسك التام بتلك العناصر المستهدفة. أما إذا كانت العلاقة مرنة، ومتسامحة، ومتفاهمة، فإن هذا الإنسان سيعمل على ترتيب علاقة إيجابية وحيوية ومثمرة مع كل عناصر هويته. والتوترات الدينية أو المذهبية أو القومية أو العرقية هي في أحد جوانبها وليدة السعي التعسفي في التعامل مع بعض روافد أو دوائر انتماء الإنسان فرداً وجماعة. من هنا فإن المطلوب وذلك من أجل التعايش السلمي بين مختلف المكونات والتعبيرات، والاستقرار السياسي والاجتماعي لأوطاننا ومجتمعاتنا هو التعامل الايجابي والمنفتح مع كل هذه العناصر والروافد التي تتشكل منها كل هذه المكونات والأطياف.
فالمجتمعات المستقرة سياسيا واجتماعيا هي تلك المجتمعات التي تعاملت بمرونة وتسامح مع خصوصيات أطرافها ومكوناتها. ومن يبحث عن الاستقرار بعيدا عن ذلك فإنه لن يجني إلا المزيد من الفوضى والاضطراب والتوتر على أكثر من صعيد، لأنه ببساطة شديدة أن التعسف تجاه خصوصيات الجماعات البشرية يقود هذه الجماعات إلى الإصرار على الفروقات والتمايزات والاختلافات. وهذه هي النواة الأولى للعديد من صور التوتر والتأزم بين مختلف الأطياف والتعبيرات.
لهذا فإن الخطوة الأولى في مشروع الأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي هي إعادة بناء العلاقة بين الهويات الفرعية على أسس الحوار والاحترام المتبادل، وصولاً إلى مبدأ المواطنة الذي يحتضن الجميع، ويجعلهم على حد سواء في كل الحقوق والواجبات.
محددات الاعتدال
يبدو لي أن المشهد الثقافي في أي مجتمع لا يمكن أن يتطور، ويراكم من خبراته، ويزيد من فعالياته ومناشطه المتعددة، دون تحديد دقيق للمصطلحات المستخدمة، وذلك لأن الكثير من المفردات والمصطلحات المتداولة لا يتم التعامل معها بوصفها ذات مضمون موحد ومشترك، مما يؤدي إلى الكثير من الالتباس والتعمية المعرفية والاجتماعية.
فحينما نتحدث عن الديمقراطية مثلا، فإننا نتحدث عن هذا المفهوم دون أن نحدد مضمونه. وكل الأطراف والأطياف تستخدم هذا المفهوم وغيره، وكل طرف يحمل معنى ومضموناً مختلفاً ومغايراً عن هذا المصطلح أو المفهوم. لذلك فإننا نعتقد أن حجر الزاوية في تنشيط وتفعيل الحياة الثقافية والمعرفية في أي مجتمع هو في العمل وبذل الجهد العلمي والمعرفي، لتحديد المعنى الدقيق لكل المفاهيم المتداولة والمصطلحات السائدة. ولعل من أهم هذه المفاهيم والتي يتم تداولها بكثرة هذه الأيام هو مفهوم الاعتدال. وكل طرف أو كاتب ينادي بالاعتدال، ويعتبره هو طوق النجاة من العديد من الفتن والمشاكل، ولكن ما معنى الاعتدال وما هي محدداته؟ فإن الجهود التي تبذل لبلورة مضمون هذا المفهوم لا تزال قليلة. فالاعتدال ليس مفهوما شكلانيا، حتى نعتبره هو النقطة الوسطى بين رذيلتين، وإنما هو من المفاهيم الفكرية والسياسية العميقة، التي تتجاوز المعنى المتداول للوسطية. وذلك لأن جميع المجتمعات الإنسانية قاطبة تعتقد وبشكل عميق أن القيم والمبادئ التي تحملها هي القيم والمبادئ الإنسانية/الطبيعية، والتي تقف بشكل دقيق بين رذيلتين، فكل المجتمعات ترفض الغلو والتنطع في الدين والتطرف في الالتزام بمقتضيات القيم. كما أنه في المقابل، كل المجتمعات على الصعيد النظري ترفض الانسلاخ من الثوابت والتفلت من القيم الذاتية العليا. فكل المجتمعات بصرف النظر عن دينها وأيدلوجيتها تنظر إلى ذاتها، بوصفها هي التجسيد العملي لمفهوم الاعتدال والوسطية. وكل هذه المجتمعات على الصعيد العملي تختلف بعضها مع بعض على مستوى التزامها بمقتضيات الاعتدال ومتطلبات الوسطية. وبهذا يتحول هذا المفهوم، إلى مفهوم سائل غير محدد المعالم فالإنسان ينظر إلى ذاته بوصفه معتدلاً، والآخر ينظر إليه بوصفه متنطعاً وبعيداً عن مقتضيات ومحددات هذا المفهوم والعكس. لهذا فإننا من الضروري أن نعمل على بيان وتوضيح محددات الاعتدال، وذلك لأن هذا المفهوم ليس أيدلوجيا أو عقيدة متكاملة، وإنما هو رؤية معرفية وثقافية وسياسية، تحدد معنى ومضمون هذا المفهوم، لذلك فإن السؤال الملح في هذا السياق هو: ما هي محددات مفهوم الاعتدال، بصرف النظر عن الأيدلوجية التي تقف خلف هذا المفهوم؟ لأن كل أيدلوجية تدعي لنفسها أنها الوحيدة القابضة على حقيقة الاعتدال ومعناه الحقيقي والعميق، لهذا كله فإننا نعتبر أن محددات الاعتدال هي النقاط التالية:
1- القبول بحقيقة التعددية والتنوع في الاجتماع الإنساني:
لعل من أهم المحددات التي تحدد بدقه معنى الاعتدال، وحدوده المعرفية والاجتماعية والسياسية، هو مدى القبول والانسجام مع حقيقة التعددية الموجودة في المجتمعات الإنسانية بكل مستوياتها ودوائرها. ولا يمكن أن يكون الإنسان معتدلا، وهو يرفض هذه الحقيقة، أو لا يلتزم بمقتضياتها ولوازمها، فكل الناس يدّعون لأنفسهم أنهم هم الوحيدون الذين على الجادة، وهم الوحيدون المتمسكون بأهداب الفضائل كلها، ولكن ما الدليل العملي على هذا الادعاء؟ لا شيء.
إننا نعتقد أن المعنى الدقيق والمعرفي للاعتدال ليس هو الذي يفسر هذه القيمة بوصفها القيمة الخيرة التي تقف في الوسط بين رذيلتين هما الغلو والتشدد من جهة ومن جهة أخرى الانسلاخ والاستلاب القيمي والمعرفي. فالاعتدال يعني: الموقف المعرفي الأخلاقي، الذي يعترف بحقيقة التعدد، ويتعامل مع قيمة التنوع بوصفها من القيم الخالدة، التي لا يمكن محاربتها أو العمل على استئصالها.
وكل إنسان يحارب هذه القيمة والحقيقة هو إنسان غير معتدل، حتى وإن ادعى ذلك، المعتدل حقا هو الذي يتعامل بعقلية حضارية ورؤية متسامحة مع حقيقة التعدد بكل مستوياتها. وإننا نعتقد أن القبول بهذه الحقيقة الإنسانية الخالدة هو أهم محددات مفهوم الاعتدال. وعليه فإن كل فرد أو مجتمع يحترم هذه الحقيقة، ويتعامل معها بعقلية حضارية، هو إنسان ومجتمع معتدل بصرف النظر عن دينه أو أيدلوجيته. وعلى هذا المقياس قد يكون المعتدل مسلما وقد لا يكون. فالعبرة في تقديرنا هو في مدى التزام الإنسان فردا وجماعة بالقبول بحقيقة التعددية والالتزام بكل لوازمها ومقتضياتها.
2- احترام الإنسان وصيانة حقوقه الأساسية:
هل يمكن أن يكون الإنسان معتدلا، وهو ينتهك حقوق الإنسان، ويتعدى على مقدساتهم وخصوصياتهم ولوازمهم الإنسانية؟
إننا نعتقد أنه لا يمكن للإنسان أن يصبح معتدلا دون احترام الإنسان، بصرف النظر عن دينه وعقيدته، وصيانة حقوقه الأساسية. فالاختلاف في الدين والعقيدة لا يشرع للإنسان مهما علا شأنه أن ينتهك حقوق المختلف معه أو يتعدى على خصوصياته. بل إن هذا الاختلاف يلزم الإنسان أخلاقيا ودينيا المبالغة في احترام الإنسان وصيانة حقوقه الأساسية.
(فالناس صنفان إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلْق)، ولا يجوز بأي نحو من الأنحاء التعدي على حقوقه أو عدم احترام آدميته وإنسانيته. وعليه فإن كل المشروعات الأيدلوجية والفكرية، التي تسوغ لنفسها التعدي على حقوق المختلفين معها هي مشروعات متطرفة، حتى وإن ادعت الاعتدال، فالعبرة دائما بالسلوك العملي ومستوى الالتزام الفعلي باحترام الإنسان وصيانة حقوقه الأساسية. ولا يمكن صيانة حقوق الإنسان دون وجود رؤية متكاملة لهذه الحقوق، وكيفية حمايتها وصيانتها، وتوفر إرادة مجتمعية متكاملة لتحويل تلك الرؤية إلى واقع حي على صعد الحياة المختلفة. فالمجتمع المعتدل والوسطي هو الذي يحترم ويصون حقوق الإنسان، ويعمل عبر مؤسساته المختلفة الرسمية والأهلية لتوفير كل الأسباب والشروط المفضية للإعلاء من شأن الإنسان وجودا وحقوقا.
3- الانفتاح والتواصل مع الثقافات الإنسانية:
لعل الجذر الثقافي والمعرفي لمفهوم الاعتدال هو نسبية الثقافة والحقيقة. وإنه لا يوجد إنسان على وجه هذه البسيطة يمتلك كل الحقيقة، وإنما هو يمتلك بعضها، والبقية موزعة على بقية الخلق. ونسبية الحقيقة والثقافة ينبغي ألا تقود إلى الانكفاء والتقوقع، والشعور الوهمي بالامتلاء، وإنما من الضروري أن تقود إلى الانفتاح والتواصل مع الآخرين. فبما أن الكون في الحقيقة موزع بين البشر، لا مناص من الانفتاح والتواصل مع الآخرين، لأن هذا التواصل والانفتاح هو التعبير الطبيعي للاستفادة من معارف الآخرين وثقافاتهم. وعليه فإن الاعتدال الثقافي والسياسي والاجتماعي لا يساوي الانعزال والانكفاء والاستغناء عن الآخرين، وإنما هو يعني التفاعل مع الآخرين، والانفتاح على ثقافاتهم والتواصل مع معارفهم. فالانكفاء على الذات ليس من مقتضيات الاعتدال والوسطية. كما أن تضخيم الذات والنظر إليها بفوقية ونرجسية ليس من لوازم الوسطية. إن الاعتدال كمفهوم معرفي وثقافي يفتح الباب واسعا للانفتاح والتفاعل الخلاق مع كل الثقافات الإنسانية.
ولا سيادة حقيقية لمفهوم الاعتدال في أي مجتمع من المجتمعات دون هذه المحددات. فهي جوهر هذا المفهوم ومضمونه الحقيقي، ودونها تكون كل الوقائع انحباس على الذات لا مبرر له، أو هروب من تحديات الحاضر إلى كهف الماضي والأمجاد التاريخية. فجوهر الاعتدال في المجتمع والثقافة والسياسة هو القبول بحقيقة التعددية، والتفاعل الإيجابي مع مقتضياتها ومتطلباتها. واحترام الإنسان بوصفه إنسانا، بصرف النظر عن منبته الديني أو عرقه أو قوميته. فالإنسان محترم لذاته، إذ يقول الله: (ولقد كرمنا بني آدم)، ومقتضى التكريم الرباني هو صيانة وحماية حقوقه الخاصة والعامة. وهكذا يتحول مفهوم الاعتدال من مفهوم شكلي/تبريري، إلى مفهوم حضاري، لا يلغي التدافع بين الناس، ولا التنافس بين المجتمعات، وإنما يوفر الأرضية الضرورية والمناخ المؤاتي لانطلاق المجتمع بكل أطيافه وتعبيراته، لاجتراح فرادته، وبناء تجربته المفتوحة والمتفاعلة مع المنجز الحضاري والثقافي الإنساني.
التعددية والاحترام المتبادل
ليس سراً من الأسرار حين نقول: إن مجتمعنا كبقية المجتمعات الإنسانية يحتوي تعدديات وتنوعات عديدة. وإن هذه التعدديات إذا أحسن التعامل معها تتحول إلى مصدر إثراء وحيوية لمجتمعنا ووطننا وإن وجود هذه الحقيقة في أي مجتمع إنساني ليس عيبا يجب إخفاؤه، أو خطأً ينبغي تصحيحه، وإنما هو جزء طبيعي من حياة المجتمعات الإنسانية، بل هو أحد نواميس الوجود الإنساني، فالأصل في المجتمعات الإنسانية أنها مجتمعات متعددة ومتنوعة. وإن شقاء المجتمعات لا ينبع من وجود هذه الحقيقة، وإنما من العجز عن صياغة أنظمة اجتماعية وثقافية وسياسية وقانونية قادرة على إدارة هذه الحقيقة دون افتئات وتعسف. وعليه فإن أي محاولة لطمس هذه الحقيقة أو التعدي عليها هو إضرار باستقرار المجتمع، وإدخال الجميع في أتون المماحكات والسجالات التي تضر بالأمن الاجتماعي والسياسي. وقبولنا بحقيقة التعددية لا يعني أن المطلوب هو أن تتطابق وجهات النظر والرؤية في كل شيء. فمن حق أي طرف ديني أو مذهبي أو قومي أن يختلف في رؤيته عن الطرف الآخر، ولكنه الاختلاف الذي لا يقود إلى الإساءة أو التعدي على الخصوصيات والرموز. من هنا فإننا ندعو جميع تعبيرات المجتمع وأطيافة المختلفة للعمل على صياغة ميثاق وطني متكامل، يقر بحقيقة التنوع والتعددية، ويثبت مبدأ الاحترام المتبادل على مستوى الوجود والرأي والرموز، فليس مطلوبا منا جميعا، من مختلف مواقعنا الدينية أو المذهبية أو الفكرية أن تتحد نظرتنا إلى كل القضايا والأمور، أو تتطابق وجهات نظرنا في كل أحداث التاريخ أو شخوصه. ولكن المطلوب منا جميعا هو أن يحترم بعضنا قناعات بعض، وألا نسمح لأنفسنا بأن نمارس الإساءة لقناعات أو أفكار الأطراف الأخرى. إننا نرفض نهج السب والشتيمة وإطلاق الأحكام القيمية الجاهزة، وإننا نعترف باختلافنا الفكري أو تعددنا الديني أو المذهبي ولكن هذا الاعتراف يلزمنا صيانة حق الإنسان الآخر في الاعتقاد والانتماء فالتعددية بكل مستوياتها لا يمكن أن تدار على نحو إيجابي، إلا بمبدأ الاحترام المتبادل. بمعنى أن من حق أي إنسان أن يعتز بقناعاته الذاتية ولكن ينبغي ألا يقوده هذا الاعتزاز إلى الإساءة إلى الآخرين. فبمقدار اعتزازه بذاته وقناعاتها، بذات القدر ينبغي أن يحترم قناعات المختلف واعتزازاته. وبهذه الكيفية نخرج طبيعية العلاقة بين المختلفين من دائرة السجال والاتهام وسوء الظن والبحث عن المثالب والقراءات النمطية، إلى دائرة العلاقة الإنسانية والموضوعية، القائمة على الاعتراف بحق الجميع بالاختلاف وضرورات الاحترام المتبادل بكل صوره وأشكاله. فالاعتزاز بالدين أو العائلة أو أية دائرة من دوائر الانتماء الطبيعية في حياة الإنسان ليس جريمة، ما دام لا يؤدي إلى رفض المشترك أو تجاوز مقتضيات الاحترام المتبادل. فالعرب جميعا اليوم ينتمون إلى أوطان متعددة، وبيئات اجتماعية مختلفة وتجمعات إقليمية متنوعة إلا أنهم جميعا يعتزون بعروبتهم وبكل عناصرهم المشتركة
ولا يرى المواطن العربي سواء في المشرق أو المغرب أي تناقض بين اعتزازه بوطنه ومنطقته، وبين اعتزازه بعروبته وقوميته.
وما يصح على المواطن العربي على الصعيد القومي، يصح عليه في مختلف دوائر الانتماء. كما أننا نعيش جميعاً ولاعتبارات عديدة لحظة تاريخية حساسة، يمكن أن نطلق عليها لحظة انفجاريات الهويات الفرعية في حياة الناس والمجتمعات. وهذه اللحظة إذا لم يتم التعامل معها بحكمة وعقلية تسووية، فإنها تنذر بالكثير من المخاطر والتحديات. لذلك فإن تعزيز خيار الاحترام المتبادل بين مختلف الانتماءات والتعدديات سيسهم في ضبط تداعيات ومتواليات انفجار الهويات الفرعية. بمعنى أن غياب الاحترام المتبادل أو التعامل مع هويات الناس والمجتمعات الفرعية بعقلية الإقصاء والاستفزاز والتحقير، سيؤدي إلى المزيد من التشظي والتوترات الاجتماعية والسياسية والأمنية، ولا يمكن وقف هذا الانحدار إلا بتعزيز خيار الاحترام المتبادل بكل حقائقه ومقتضياته ومتطلباته.
وجماع القول: أننا نعتقد أنه لكي لا تتحول هذه الحقيقة المجتمعية إلى مصدر للتوتر والأزمات، نحن بحاجة إلى تعزيز خيار الاحترام المتبادل، حتى نتمكن من صيانة تنوعنا والمحافظة على استقرارنا الاجتماعي والسياسي.
الحوار الإسلامي وتفكيك الرؤية النمطية
في إطار العلاقة الداخلية بين المسلمين بمختلف مذاهبهم ومدارسهم الفقهية والفلسفية والفكرية ثمة مشاكل وعقبات عديدة تحُول دون تطوير هذه العلاقة، وإيصالها إلى مصاف العلاقات المتميزة على كل الأصعدة والمستويات. ففي كل البلدان العربية والإسلامية، حيث تتواجد المذاهب الإسلامية المختلفة، والمدارس الفقهية المتعددة، هناك مشاكل وحساسيات، تعرقل مشروع التفاهم والتعاون والوحدة بين المسلمين. مما يجعل الجفاء والتشرذم وسوء الظن وغياب التواصل الحيوي والفعال هو سمة العلاقة الداخلية بين المسلمين في كل البلدان والمناطق. فليس قَدرنا أن نعيش متباعدين ومتجافين، كما أن مشاكلنا سواء التاريخية أو الراهنة ليست مستحيلة المعالجة. وإنما نحن نحتاج إلى وعي جديد وإرادة مجتمعية جديدة، تعطي الأولوية لإصلاح حقل العلاقات الإسلامية الداخلية، لأننا نعتقد أن الكثير من المشاكل والأزمات الداخلية في كل بلداننا ومناطقنا لا يمكن التغلب عليها دون ترتيب البيت الداخلي للمسلمين. فتوزع المسلمين بين مذاهب ومدارس فقهية متعددة ليس مبررا لاستمرار القطيعة والتباعد، كما أن وجود آراء وقناعات مختلفة بين المسلمين لا يبيح لأي طرف إعلان الخصومة والعداوة بينه وبين الطرف الآخر. فالباري عز وجل يقرر في كتابه الحكيم أن طبيعة العلاقة الداخلية بين المسلمين بمختلف ألوانهم ومناطقهم ومدارسهم قائمة على الرحمة، امتثالا لقوله تعالى: (رحماء بينهم). فالمطلوب هو أن تكون قيمة الرحمة هي السائدة والحاكمة في علاقة المسلمين بعضهم مع بعض. والاختلافات المذهبية أو الفكرية أو القومية بين المسلمين ليست مبررا لتجاوز مقتضيات الرحمة. فالاختلافات بكل مستوياتها لا تجيز لأحد إطلاق الأحكام جزافا، أو امتهان كرامات الناس، وإنما هي تشرع لضرورة الحوار والتواصل والبحث العلمي والموضوعي في الآراء والقناعات بعيدا عن الآراء والمواقف المنمطة السابق وبلورة وعي جديد من أحداث التاريخ، وقوامه قراءة أحداث التاريخ قراءة علمية وموضوعية، مع احترام تام لكل الرموز التاريخية للمسلمين. فوجود تقييمات تاريخية مختلفة بين المسلمين لا يسمح لأي طرف بالإساءة إلى رموز الطرف الآخر ومقدساته. لهذا فإننا نرفض ولاعتبارات دينية وأخلاقية وإنسانية نهج الشتائم والسب ونعتقد أن هذا النهج لا ينسجم وأخلاق الإسلام ومثله العليا، كما أنه لا يتناغم ومقتضيات الأخوة والشراكة. كما أن التعايش هو مصيرنا كعرب ومسلمين، وأن علينا أن نفتح عقولنا وكياننا على آفاق هذه العملية، ليست لأنها تنسجم وقيم الإسلام فحسب، بل لأنها تَفاعُلٌ وانفتاح على المصير. وهذا يعني أن نخرج من التناحر والاقتتال، وأوهام التميز والفرادة. ونعلن بعقل ناضج ضرورة تجاوز معاناتنا الطويلة بالوعي الكامل لتحديات راهننا وآمال مستقبلنا فالتعايش الاجتماعي جهد متواصل ضد اللامقبول على مختلف الصعد والمستويات. وقوامه تسالم الإرادات الوطنية، وانصهار مصالحها في الكيان الاجتماعي الوطني. كما أن التوجيهات الإسلامية تؤكد على ضرورة أن يتم التعامل مع الآخرين وفق القاعدة النفسية والاجتماعية، التي يحب على الإنسان نفسه أن يعامل وينظر إليه من خلالها. فـ (ما كرهته لنفسك فاكرهه لغيرك، وما أحببته لنفسك فأحببه لأخيك، تكن عادلا في حكمك، مقسطا في عدلك).
إن بوابة تصحيح كل هذا الاعوجاج تبدأ بتعاملي مع الآخرين. فإن مساواة الآخر مع الذات هو الذي يخلق النسيج الاجتماعي المتداخل والمتواصل والمنسجم في حركته وعلاقاته المتعددة.
ولا شكَّ أن مساواة الآخر مع الذات سيعلي من شأن القيم المشتركة، وسيجعلها حاضرة باستمرار في الوسط الاجتماعي. كما أنها تزيد من حالة الإحساس بالمسؤولية المشتركة بعضنا تجاه بعض. وكل هذه العناصر ضرورية لبناء سلم اجتماعي متراص ومستديم.
إن صياغة العلاقة بين مختلف المذاهب الإسلامية على أسس جديدة يتطلب من جميع الأطراف العمل الجاد لتفكيك الصور النمطية القائمة بين أتباع المذاهب الإسلامية بعضهم تجاه البعض، حيث إن الصور النمطية السائدة هي التي تعمق الحواجز النفسية بين المسلمين، وهي التي تحول دون تطوير مستوى التفاهم والتعاون بين أتباع المذاهب الإسلامية. لهذا كله فإننا نعتقد أن تطوير العلاقات الداخلية بين المسلمين يتطلب العمل على تفكيك الصور النمطية المتبادلة بين المسلمين، وصياغة العلاقة على أسس الراهن وقناعات المعاصرين بعيدا عن إرث التاريخ وحقب الصدام الأعمى.
المواطنة هي الحل
تتعدد انتماءات الإنسان وميولاته والتزاماته الأيدلوجية والفكرية والسياسية، حيث إننا من الصعوبة بمكان على المستوى الإنساني أن نجد كتلة بشرية متجانسة في كل شيء. فإذا كانت هذه الكتلة البشرية متجانسة دينيا، فهي متعددة مذهبيا، وإذا كانت متجانسة مذهبيا، فهي متعددة عرقيا أو قوميا، وإذا كانت متجانسة عرقيا أو قوميا، فهي متعددة دينيا أو مذهبيا أو مناطقيا. فعلى كل حال فإن التعدد والتنوع من لوازم الحياة الإنسانية، ولا يمكن أن نحصل على حياة اجتماعية واحدة متجانسة في كل شيء.
وعدم التجانس في بعض دوائر الانتماء والحياة لا يعني أن تسود حالات الجفاء والتباعد بين الناس، وإنما على العكس من ذلك تماما. فإن تعدد دوائر انتمائهم ينبغي أن يقودهم إلى الحوار والتواصل وتنمية المشتركات. فالناس جميعا بصرف النظر عن منابتهم الأيدلوجية يعتزون بخصوصياتهم الذاتية، ولكن هذا الاعتزاز ليس استغناء عن الآخرين أو الخصومة معهم أو الانغلاق والانكفاء في الدوائر الخاصة. فالحكمة الربانية اقتضت لاعتبارات عديدة أن نكون متعددين ومتنوعين في دوائر وأنحاء مختلفة، ولكن هذا التنوع ليس من أجل الانغلاق والانطواء، أو الخصومة والعداء، وإنما من أجل التعارف الذي يقود إلى البناء والعمران، إذ يقول تبارك وتعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا). فالباري جلَّ اسمه جعلنا في دوائر متعددة (شعوبا وقبائل) ليس من أجل أن نتخاصم ونتعادى ويقتل بعضنا البعض، وإنما من أجل (لتعارفوا)، وأول التعارف الاعتراف بحق الوجود والتعبير عن الرأي وتنمية المشتركات وتنظيم عناصر وموضوعات الاختلاف والتباين. فجمالنا الإنساني في تعددنا وتنوعنا، وأية محاولة قسرية لتوحيدنا أو لإلغاء تنوعنا هي محاولة مناقضة لناموس الخالق عز وجل في هذه الحياة.
والاعتراف بتنوعنا يحمّل الجميع مسؤولية العمل على صيانة وحماية هذا التنوع. ولا حماية لهذا التنوع إلا بالاحترام المتبادل والتواصل المباشر وكسر كل الحواجز التي تحول دون التضامن والتعاون فنحن جميعا ومن هذا المنطلق يجب علينا أن نرفض إساءة بعضنا إلى بعض سواء أكانت هذه الإساءة مباشرة أم غير مباشرة. قد تتباين آراؤنا ومواقفنا، ولكن هذا التباين لا يجيز لأحد ممارسة الإساءة، بل على العكس من ذلك تماما، حيث إن التباين في الرأي والموقف ينبغي أن يقود إلى الاحترام المتبادل.
كما أن وجود إساءة هنا أو هناك ينبغي ألا يدفعنا إلى إطلاق الأحكام والمواقف التعميمية. فالإساءة مرفوضة مهما كان شكلها، وقيام البعض بها لا يتيح لأحد التعميم أو التشنيع على الكل. فآفة العدالة التعميم، ومن أراد الالتزام بمقتضيات العدالة فعليه توخي الحذر وعدم الانجرار وراء المواقف والآراء التعميمية، التي تأخذ الجميع بجريرة البعض.
يقول تبارك وتعالى: (ولا يجرمنَّكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى).
إن تباين الآراء وتتعدد المواقف والقناعات والانتماءات ليس مدعاة لتجاوز حدود العدالة في التقويم وصناعة الرأي والموقف. والفكر القانوني والدستوري والحضاري الحديث أبدع رؤية قانونية متكاملة في ترتيب العلاقات الداخلية بين مكونات وتعبيرات المجتمع الواحد. وهذه الرؤية تتكثف في مقولة (المواطنة).
فالانتماءات المتعددة ينبغي ألا تقود إلى الانطواء والانكفاء، كما أنها ينبغي ألا تقود إلى الخيارات السياسية والثقافية التي تهدد الاستقرار والأوطان. وإنما من الضروري أن تقود إلى بناء العلاقة على أسس مشتركة، تتجاوز حدود الهويات الفرعية. وعلى رأس الأسس المشتركة (المواطنة). فهي القاعدة القانونية والسياسية التي تضبط العلاقة بين جميع المواطنين، وهي التي تحدد المسؤوليات وتعين الحقوق والواجبات.
وفي زمن انفجار الهويات الفرعية لاعتبارات عديدة من الضروري العمل لإبراز مفهوم المواطنة. فهي (أي المواطنة) هي الحل، التي تنقل الجميع من دائرة الهويات الفرعية إلى رحاب المواطنة المتساوية والمجتمع والوطن الواحد. وفي سياق تعزيز خيار المواطنة نود التأكيد على النقاط التالية:
1- أن الوقائع الطائفية التي تجري اليوم في أكثر من بلد عربي ليست مدعاة للاصطفافات الطائفية والمذهبية، وإنما هي مدعاة للوحدة الوطنية وبناء حقائق الائتلاف والتلاقي بين مختلف التكوينات المذهبية، وخلق الإرادة العامة والجماعية لمعالجة تلك الوقائع الطائفية المقيتة. فليس مطلوبا من النخب الثقافية والعلمية والسياسية في ظل هذه الظروف الحساسة الاصطفاف المذهبي والتخندق الطائفي، وإنما المطلوب هو العمل على معالجة كل الوقائع الطائفية التي تضر الجميع ولا يربح فيها أحدٌ. فالمشاكل الطائفية والمذهبية في أي بيئة اجتماعية ينبغي ألا تقود العلماء والكتاب والمثقفين إلى الاصطفافات الطائفية الضيقة، وتزخيمها عبر مقالات وأبحاث تعمق الشرخ في الوطن والمجتمع، وإنما ينبغي أن ينطلق جميع هؤلاء ومن موقع المسؤولية الدينية والثقافية والوطنية إلى البحث عن حلول ومعالجات لهذه المشكلة، والعمل على تطويق هذه المشاكل التي تضر الجميع ولا يربح فيها أحدٌ. فالتوترات المذهبية اليوم لا تعالج بالتعبئة الطائفية، ولا بشحن النفوس ضد الآخر المختلف والمغاير المذهبي، وإنما بتعزيز خيار المواطنة، وتشجيع الجميع عبر رؤية متكاملة ومشروع وطني شامل لجعل المواطنة هي حجر الزاوية في مشروع العلاقات البينية بين جميع المواطنين والمكونات والتعبيرات.
والمواطنة كمشروع حل ومعالجة للتوترات الطائفية والمذهبية في المجال العربي والإسلامي ليست حلا سحريا وناجزا، وإنما هي البوابة السياسية والحقوقية والثقافية، لإنجاز الوحدة الداخلية في المجتمعات المتعددة دينيا أم مذهبيا أم قوميا وعرقيا. وحدها المواطنة هي التي تخلق الوحدة بين المكونات المتعددة في الدائرة الوطنية الواحدة.
2- إن ثقافة الاستئصال والفصل بين مكونات الوطن الواحد على أسس طائفية ومذهبية لا يبني استقرارا، ولا يحرر المجتمعات من عقدها وتوتراتها التاريخية والمعاصرة، وإنما يزيد من أوار التوتر ويفاقم من مشكلات المجتمع والوطن. وأحداث التاريخ تعلمنا أن المجتمع الذي يحتضن تعدديات وتنوعات لم يبن استقراره بمنهج الاستئصال وبناء الكانتونات المنعزلة، وإنما تم بناء الاستقرار بثقافة الاستيعاب والمرونة السياسية وتنمية الجوامع المشتركة، وبناء العلاقة على أساس المواطنة الواحدة.
فالمسألة الطائفية في المنطقة العربية والإسلامية لا تعالج بالانكفاء والعزلة، ولا تعالج بتوتير الأجواء وخلق الخطابات المتشنجة التي تزيد المشكلة اشتعالا، وإنما تعالج بالوعي والحكمة والإرادة العامة التي تفكك المشكلة.
من موقع التعالي عن الاصطفافات الضيقة. فالنخب العلمية والثقافية في المجال العربي ينبغي أن تكون جزءا من الحل، وليس جزءا من المشكلة. وإننا مهما كان الوضع على هذا الصعيد صعبا ومتوترا، ينبغي أن نستمر في حمل مشعل الوحدة والتفاهم والتلاقي والتسامح والاحترام المتبادل. ووجود قناعات أو ممارسات سيئة وسلبية من أي طرف ينبغي ألا يكون مبررا للتمترس الطائفي، وإنما هو المبرر الحقيقي لضرورة الخروج من هذا السياق الضيق، والعمل على معالجة كل الظواهر السلبية من خلال الحوار والتواصل والنقد.
3- إن التعصب المذهبي بكل مستوياته هو أحد العوامل المضادة لمفهوم المواطنة، بمعنى أن التعصب يحُول دون أن تكون المواطنة، التي هي قاعدة العلاقة، وتكون بدل ذلك العلاقة المذهبية.
لذلك فإن تعزيز خيار المواطنة يتطلب بناء كتلة اجتماعية، معتدلة، ووسطية، عابرة للمذاهب ومتجاوزة لكل عناوين الهويات الفرعية، دون هذه الكتلة الاجتماعية ستبقى العصبية تنخر في جسم المجتمع، وسيهدد التعصب المذهبي الاستقرار الاجتماعي والسياسي للوطن.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
سؤال هام للحوار ... سؤال الهوية والتعددية في المجال الإسلامي المعاصر هل مفروض أم مرفوض
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى عشاق سوريا الأسد :: كوكتيل عشاق سوريا الأسد :: تاريخ & آثار & سياحة-
انتقل الى:  
مواقع صديقة
>