منتدى عشاق سوريا الأسد
عزيزي الزائر .. أهلا وسهلا بك في منتداك
انت غير مسجل لدينا
يرجى التسجيل .. لإعلامك بكل ماهو جديد ولمشاركتك معنا بآرائك


منتدى عشاق سوريا الأسد

إلى كل محبي الدكتور بشار الاسد
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» فضيحة:(أمريكا منعت مشروعنا بعائد 350 مليار دولارسنوياً!لمحور قناة السويس الذي قدمناه لمبارك!وعـمر! والسيسي!)( نتحدى أن يكذبنا أحد!)
الأحد أغسطس 09, 2015 7:15 pm من طرف النائب محمد فريد زكريا

» بتوجيه من الرئيس الأسد.. العماد أيوب يزور قواتنا العاملة في المسطومة ومحيطها بريف إدلب
الإثنين أبريل 13, 2015 3:28 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» «مُجتهد» يكشف السيناريو القادم لـ«عاصفة الحزم» .. ماذا قال؟!
الإثنين أبريل 13, 2015 3:25 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» هل الحرب على اليمن هي البداية لتنفيذ مشروع امريكا لتقسيم السعودية ؟؟
الإثنين أبريل 13, 2015 3:20 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» جبهات حماه تشتعل..
الإثنين أبريل 13, 2015 3:15 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» آل سعود من عزكم في ذل اليمن إلى ذلكم في عز اليمن
الإثنين أبريل 13, 2015 3:13 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» آلية لضبط الأفواه!!
الإثنين أبريل 13, 2015 3:03 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» "شمس" آل سعود بدأت بـ "المغيب"؟!!
الإثنين أبريل 13, 2015 3:01 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» «الخبر برس» تنشر كواليس محاولة انتقام السعودية من الجزائر
الإثنين أبريل 13, 2015 2:57 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» هل تجبر السعودية بوتين على الرضوخ في نهاية المطاف؟
الإثنين أبريل 13, 2015 2:53 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» التدخل السعودي في اليمن وتدخل إيران وحزب الله في سورية
الجمعة أبريل 10, 2015 4:29 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» مقالات المفكر العربي ناصر قنديل
الجمعة أبريل 10, 2015 4:28 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» نبيه البرجي: السلطان و حصانه الخشبي
الجمعة أبريل 10, 2015 4:22 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» بالتوازي مع الاتفاق الإطاري ادلب واليرموك بؤر إشغال .. والعين على دمشق
الجمعة أبريل 10, 2015 4:20 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» صراع الرايات الإرهابية في مخيم اليرموك.. «داعش» تحاول التمدد الى أطراف دمشق
الجمعة أبريل 10, 2015 4:08 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» السعودية حليفة «إسرائيل»
الجمعة أبريل 10, 2015 4:06 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» تصدع تحالف العدوان على اليمن * الغزو البري بين الخوف والرفض!
الجمعة أبريل 10, 2015 4:04 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» الإمام الخامنئي دام ظله: السعودية ستتلقى ضربة وسيمرغ أنفها بالتراب
الجمعة أبريل 10, 2015 3:59 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» أمين سر تحالف القوى الفلسطينية: مخيم اليرموك ذاهب باتجاه عمل عسكري تشارك فيه القوات السورية والفصائل لطرد داعش
الجمعة أبريل 10, 2015 3:58 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» تصريح مثير لأوباما.. هل أعطى الضوء الأخضر لشن «عدوان خليجي» على سوريا؟!
الجمعة أبريل 10, 2015 3:56 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» انتهاء الجولة الثانية من لقاء «موسكو 2» بالتوافق على ورقة البند الأول فقط
الجمعة أبريل 10, 2015 3:55 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» مفتي السعودية يخرج عن صمته ويرد على فتوى أكل لحم المرأة
الجمعة أبريل 10, 2015 3:53 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» ما صحة «الفرمان» الموجه لرعايا الملك سلمان من اللبنانيين؟! (خضر عواركة)
الجمعة أبريل 10, 2015 3:48 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» الخبر برس: سلاح الجو السوري يستهدف مقر «لواء براق الاسلام» بريف درعا ويقتل نائب «قائد» اللواء ومعه العشرات
الجمعة أبريل 10, 2015 3:45 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» قيادي تركي معارض يروي لـ«الخبر برس» قصة العلاقات الاسرائيلية مع المسلحين السوريين (الحلقة الثانية)
الجمعة أبريل 10, 2015 3:44 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

المواضيع الأكثر نشاطاً
مقالات المفكر العربي ناصر قنديل
صباحيات ناصر قنديل سلسلة يومية
مقالات وتقارير لمراسل قناة العالم الاعلامي حسين مرتضا
مقالات بقلم الكاتبة : دينيز نجم
اخطر وأقوى الفيديوآت لثورة فبرآير [ البحرين ]
متجدد: تغطية أحداث يوم الأحد 24 مارس 2013
مرحبا بكم في منتدى عشاق سوريا الاسد
خبر عاجل:اكتشاف مجرة جديدة فيها نجم واحد اسمه بشار الأسد
أنباء عن استهداف رئيس الوزراء السوري وائل الحلقي بانفجار في آخر أوتوستراد المزة بالقرب من المؤسسة العامة للاتصالات
الحزن يعم سوريا بعد وفاة ولي العهد السعودي !!

شاطر | 
 

 الإنسان والسُّنَن الإلهيّة في الكون والحياة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الياس
مراقب عام
مراقب عام
avatar

ذكر
الحمل عدد المساهمات : 6669
تاريخ الميلاد : 07/04/1964
تاريخ التسجيل : 15/09/2012
العمر : 53
العمل/الترفيه : دكتور في تاريخ ومقارنة الأديان
المزاج : متفائل بنعمة الله

مُساهمةموضوع: الإنسان والسُّنَن الإلهيّة في الكون والحياة   السبت نوفمبر 24, 2012 8:27 am

الإنسان والسُّنَن الإلهيّة في الكون والحياة


إذا كان معنَى مصطلح الإنسان واضحا لكل (النّاس) فماذا نقصد بالسنن الإلهيّة؟ وما علاقة تلك السّنن بالإنسان والمجتمع؟
سؤالان جديران بالتفحّص والعناية، كي نتّفق على المهاد الذي نقف عليه، في تفهّم علاقة الإسلام بالإنسان العائش في ظروف العصر الحديث. خاصّة إذا أدركنا أن هذه الظروف لا تخرج عن نطاق قوانين الحياة والكون المودعة فيهما منذ أن كانا.
السنن الإلهيّة، إذن هي هذه القوانين التي تبدأ من تفاعلات الخليّة في الأجسام الحيّة، ولا تنتهي بالأشعّة الكونيّة، وقوى الجاذبيّة التي تحدّد مسار الأرض والشمس والقمر والكواكب والنجوم والأجرام السماويّة، والمجرات التي تكوّن الأكوان، لا الكون الذي نحن فيه فحسب.
العلم يحاول أن يصف تلك السنن، ونحن نأخذ بذلك الوصف، ويوجب علينا الإسلام أن نظلّ دائبين في البحث وطلب العلم لتفهّم تلك السنن، وأن نضيف إلى معارف العالم معارف جديدة، من أجل أن يتواصل نمو الحياة وتطوّرها، ومن أجل أن نتفهّم بشكل أكثر عُمقا تلك السنن، لأنّ في ذلك نفعا عظيما لنا، قد لا ندرك أبعاده الآن، ولكن، متى ما استطعنا أن نخوض عباب العلم ونطوّره ونتطوّر به ستتجلّى لنا منافعه الجمّة. خاصّة وأن قوانين الكون والحياة تستعصي على التفسير، لحدّ الآن، وما زال العلم يكتفي بوصف بعض آثارها، وتحليلها، وربّما التعليل لها، ولكنّه، لم يستطع ـ بعد ـ أن ينفذ إلى أعماقها، وجوهرها، وإليك نماذج من ذلك:
ويقول لك العلم: إنَّ النظام الكونيّ كلّه قائم على قوى الجاذبية المغناطيسيّة، وإن تلك القوى هي التي تحفظ مسار النجوم والكواكب وسائر الأجرام السماوية في مساراتها المعروفة، ولكنّه لا يقول لك لماذا لا بدّ من أن تحافظ تلك الكواكب والنجوم وغيرها على مساراتها، ما السرّ الكامن وراء هذا التنظيم الرائع البديع الدقيق؟ كما لا أحد يستطيع أن يجيبك عن ماهيّة القوى المغناطيسيّة، إذ الجميع معنيّون بوصفها ووصف تأثيراتها فقط.
ويقول لك العلم: إنّ من الحيوانات ما هو أكثر رهافةَ حاسّات من الإنسان، في بصره وسمعه وشمّه وقوّته أحيانا. ألم ترَ إلى القطّ ـ مثلا ـ جاثيا معك في غرفة واحدة، ثمّ هو يسمع ما لم تسمع ويشمّ ما لم تشمّ، فيثب هنا وهناك جريا وراء فريسته التي سمع حسّها وشمّ ريحها، وأنت لم تسمع شيئا ولم تشمّ شيئا؟! فإن سألت العلم: لماذا كانت هذه الظاهرة لم تحظ بجواب نهائي.
ثم ألا ترى إلى العلم كيف يتوقّف في وصفه لحدّة بصر القطّ ليلا بسبب تغيّر حجم بؤبؤ عينيه، فإن سألت لماذا كان ذلك؟ ستُجاب بأنّ ذلك يحدث لأنّ القط في الليل (بحاجة) إلى بصر أكثر حدّة يجد به فريسته على أساس أنّ الحاجة هي التي ولّدت عنده تلك الخاصيّة، ثم يُكتفى بذلك الجواب الذي لم يكتمل، بعد؛ لأنَّك إن قلتَ فلماذا كانت هذه الظاهرة لدى القط، ولم تتوفّر للإنسان، وبخاصّة أنّه كان، في الأزمان القديمة، أحوج ما يكون إليها، لا إيجادا لفريسته فحسب، بل دفاعا عن نفسه أيضا ضد الحشرات والهوام، وغريزة الدفاع عن النفس في مواجهة المخاطر أقوى من غريزة متابعة الفرائس؟! ولماذا لا يمتلك الإنسان هذه الخاصّيّة، وهو، إلى الآن بحاجة إلى حدّة بصر، ليلا ونهارا، كي يرى الجراثيم والميكروبات والفيروسات التي تفتك بصحته فيتجنّبها؟! ومهما تساءلت فلن تحظى بجواب شافٍ.
ويقول لك العلم: إنّ لجسم الإنسان دورتين دمويتين، صغرى وكبرى، وأن الدم يحتوي على الهيموغلوبين والكريات الحمر والبيض، ومكونات أخرى يكتشفها العلم رويدا رويدا، ثمّ لا تجد من يخبرك، لماذا كان ذلك كله؟! لماذا صارت خاصيّة الكريات الحمر إيصال الأوكسجين إلى الخلايا، والكريات البيض تدافع عن الجسم حين تهاجمه الميكروبات والجراثيم والفيروسات؟ فإن قيل لك إن تركيب هذه يختلف عن تركيب تلك، فإنّ لك أن تسأل: ولماذا هذا الاختلاف؟ ولمَ لمْ تتهيأ الكريات الحمر للقيام بما تقوم به الكريّات البيض، وبالعكس؟!
ويقول لك العلم: إنَّ دواءً ما يُضعف الميكروب المسبب لمرض معيّن، أو يقضي عليه، ولكنه ـ أي العلم ـ لا يعلم السبب الحقيقي الكامن وراء هذا التأثير، في كثير من الأحيان، فشأنه، في هذا، شأن الإنسان القديم الذي عرف أنّ النار تُحرق، ولكنّه ـ وحتى بعد أن أصبح إنسانا متقدّما له من وسائل العلم والمعرفة الكثير ـ لم يستطع تعليل ظاهرة الاحراق تعليلا مقبولا ونهائيا، فظلّ في إطار الوصف دائما، والتعليل أحيانا، فإذا وجد أن تعليله لن يصبح نهائيا أحال الأمر إلى الفلسفة. ولكنّ هذه الفلسفة ـ وبرغم كثرة تشعّباتها ـ تقف أيضا عند حدود لا تتعدّاها، فلا تستطيع مواصلة الإجابة على كثير من الـ(ماذا) والـ(كيف) التي تبرز أمام المرء حين يفكّر بها.
هذا من جهة قصور العلم عن إدراك (أسرار) سنن الله في الكون والحياة. أمّا من جهة القرآن الكريم، فإنّ الآيات التي يذهب بها بعض الكتّاب إلى ميادين العلوم، إنما نزلت لبيان نِعَم اللّه تعالى على البشر، أو بيان عظمته وقدرته، فتلك غايتها، وذاك سبب نزولها، بالدرجة الأولى، ومن غير شكّ أنّها لا تعارض النظريات السليمة الصحيحة التي يتوصّل إليها العلم، ولكننا لسنا بحاجة إلى التأوّل والتزيّد وإقحام القرآن في ميدان تجريبيّ يصيب ويخطئ. وقصارى ما نستطيع فعله في هذا الصدد، وحينما نجد نظريّة انتهى العلم من تقرير صحّتها، وأنّ ثمّة في القرآن العزيز إشارة إليها، أن نقول أنّ هذه الآية (قد) تشير إلى ما انتهى العلم من تقريره في هذه المسألة، أما أن نجزم أنّ المراد من الآية هو ما انتهى العلم من تقريره، ومن غير تثبّت من ذلك الذي انتهى إليه العلم وكونه قولا نهائيا لا يقبل نقضا، فمسألة خطيرة؛ لأنَّ تلك (النظريات) تظلّ نظريات، ويظل العلم دائم البحث فيها، وقد يصل غدا إلى أنّها نظريات مغلوطة، وما أكثر النظريات المغلوطة في تاريخ العلوم! ومن عجب أننا نجد اليوم، وبين ظهرانينا، من لا يؤمن أنّ الأرض كرويّة أو بيضويّة! وكان لنا أن نتركه وما يعتقد، ولكنّ المشكلة أنّه يزعم أنّ القرآن ذكر أن الأرض مسطّحة، وأنّ أيّ قول يخالف ذاك هو كفر! وما زال السجال مستعرا بين هذا ومَن يقول أنّ القرآن الكريم اعترف بكرويّة الأرض، وكلٌّ يستشهد بآيات التنزيل العزيز، ليتواصل الاختلاف على فراغ! وما كان أغنانا عن إضاعة أعمارنا في الاختلاف في هذه القضايا لو أدركنا أنّ القرآن كتاب هداية لا كتاب جغرافية! وأنّ المهمّ التعرّف على سنن الله في الكون والحياة، عن طريق العلم وإعمال الفكر والاجتهاد.
هذه هي حدود العلم، وعلينا أن نتقبّلها وأن نتفهّمها، وأن نستفيد منها، باعتبارها محاولات لوصف بعض سنن اللّه في الكون والحياة، وأن الوصول إلى غاية التعرّف على تلك السنن ما زال بعيدا، والشوط أمام الانسانية لبلوغ تلك الغاية ما زال طويلا.
الأمر نفسه ينطبق على القضايا المعنويّة، فلماذا كان الصدق صفة جيّدة والكذب صفة رديئة؟! ولماذا كانت الأمانة والإخلاص والنزاهة صفات محمودة، والخيانة والغدر والجشع صفات مرذولة؟! ولماذا لا يكون العكس، فيُحكم على القيم بناء على المنافع الفرديّة لمن يمارسها؟!
وبينما نقرر كل ذلك، تبرز أمامنا فكرة محتواها أنّ الصفات البشريّة والقيم الإنسانيّة متغيّرة من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، ومن إنسان إلى إنسان، ويضرب أصحاب هذه الفكرة أمثلة متنوّعة من مجتمعات مختلفة. فأكل لحوم البشر مرفوض حضاريا، ولكنّه كان شائعا في مرحلة من التاريخ، كما هو موجود اليوم في بعض البيئات. وحين ترى ثقافات معيّنة تحريم لحم هذا الحيوان أو ذاك على الآكلين أو اعتباره أمرا معيبا، على أقلّ الاحتمالات، ترى ثقافات أخرى إباحته وأنه لا عيب فيه.
أمّا لماذا كان هذا عيبا وذاك ليس بعيب؟ ولماذا مارست مجتمعات ما امتنعت عن ممارسته مجتمعات أخرى؟ ولماذا حرّمت ثقافات معيّنة ما أباحته ثقافات أخرى؟ فمما عجزت الفلسفات نفسها عن تبيانه، والوصول إلى القول الفصل فيه، وما زالت الآراء تتصارع وتتكاثر، ولا أحد يستطيع التنبؤ بصيرورتها.
الإسلام حدّد موقفه من الصفات والقيم، والتزم بالخير دائما، وحدّده بالصدق والإخلاص والنزاهة وغيرها مِمَّا هو معروف مشهور، ورفض الشرّ، جملة وتفصيلا، وحدّده بالقتل والعدوان والتكاسل عن طلب العلم النافع، والتقاعس عن أداء العمل الصالح، وما إلى ما هنالك من صفات وقيم وعادات أشهر من أن نعدّدها هنا.
فتلك القوانين المادية ـ في جوهريّتها وعللها الحقيقيّة وغاياتها المعلومة والمجهولة، وهذه القيم الروحية في جوهريّتها وعللها الحقيقيّة وغاياتها المعلومة والمجهولة ـ هي سنن الله تعالى في الكون والحياة، قد يصل العلم أو الفلسفة (أو كلاهما) يوما إلى اكتشاف (جواهر) الأشياء واكتشاف أعماقها البعيدة الغَور، وقد لا يصل، كما هو شأن الموقف من الروح، وماهيّتها مِمَّا يشير إليه القرآن الكريم، مقرّرا ﴿وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلا﴾ (سورة الاسراء 35). ونعتقد أنّ دلالة هذه الآية ليست قاصرة على موضوع الروح فحسب، وإنما تشمل شؤون الحياة الأخرى أيضا. وسيظلّ هذا الحكم إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها. ذلك أن إيماننا بأنّ آيات القرآن الكريم، لا تخصّ جيلا دون جيل، يدفعنا إلى القول أنّ التقرير الوارد في تلك الآية سيظلّ ساري المفعول إلى ما شاء اللّه تعالى.
فلا بدّ ـ إذن ـ حين تتواصل التساؤلات، أن تُفضي بنا إلى أن لهذا الكون المترامي الأبعاد، قوانين خاصّة تسيّره، وأن أيّ شيء فيه يؤثر، بهذه الطريقة أو تلك، بأشيائه الأخرى. وعلى سبيل المثال، نقرّب الموضوع بشاهد من الحياة اليوميّة التي نحياها، فان تلوّث البيئة يؤدي إلى أضرار شتّى في صحّة الإنسان والحيوان والنبات، وحتّى في الجمادات، كما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض، والى تهتّك في طبقة الأوزون التي تحمي الأحياء على سطح الأرض من الأشعة الضارة التي تمنعها تلك الطبقة من الوصول إلى الأرض. وكل هذه التأثيرات لها، كما هو واضح، تأثيرات أخرى على الحياة نفسها، وهكذا دواليك.. ولو انّك نظرت إلى قطع الأشجار، مثلا، والذي أدّى إلى اختفاء غابات كاملة في عديد من مناطق العالم، لرأيت أن ذلك يؤثر على نسبة الأوكسجين في الهواء، وهو الضروري للتنفس والتغذية، فإذا ما قلّت النسبة عن حدّ معيّن نتيجة اختلال في الطبيعة، كقطع الأشجار وبقيّة الأعمال الضارّة بالبيئة فستكثر عندها الأمراض الناتجة عن تلوث البيئة وسوء التغذية، وهذا الانتشار ستنتج عنه مضارّ أخرى، كارثية بكل تأكيد. فإذا كان لا بدّ من قطع الأشجار للاستفادة منها (في صناعة الورق مثلا) فلا بد للعقل البشري أن يبحث عن وسيلة يعوض بها ما ستخسره البيئة نتيجة ذلك القطع. وهكذا نرى في كلّ ممارسة ضارة بالحياة والأحياء، خروجا على القوانين الطبيعيّة التي تحكم مسار كل شيء في هذا الكون المترابط الأجزاء بقوة وصلابة، فتلك القوانين ـ كما سبق أن قلنا ـ هي (السنن الإلهيّة في الكون والحياة) على الجانبين: المادي والمعنوي.
وكل تلك القوانين، موضوعة لخدمة الحياة، لخدمة الإنسان نفسه، أيّا كان ذلك الإنسان. ولعلّ من المفيد، هنا، أن نتذكّر أن القرآن الكريم كثيرا ما ذكر في آياته النعم التي أنعم بها على الإنسان، ولكنّه لم يذكر ـ ولا مرّة واحدة ـ أنّه تعالى اعتبر الإنسان نعمة لشيء آخر.
فإذا كان هذا هو المقصود من قولنا (سنن اللّه في الكون والحياة) فهل حدّد الإسلام للإنسان وسيلة لتفهّم تلك السنن، واستكشافها، والإفادة منها، والتلاؤم معها؟
وإنه مِمَّا لا شك فيه، أنّ الإسلام قد انطلق من تلك السنن، وأعتقد جازما أن الاطمئنان إلى مبادئه العامّة وقواعده الكليّة، والاقتناع بها ضميريا، والانطلاق منها لتشييد فروض الحياة واحتياجات الإنسان، صورة من أجلى صور الانسجام مع تلك السنن الإلهيّة في الكون والحياة. ومن المفيد هنا أن نتفهّم قوله e: (إنما الأعمال بالنيّات وإنما لكلّ امرئ ما نوى). ذلك أنّ النيّة، وهي مضمَرة في نفس المرء، لا تكون إلاّ عن اقتناع ذاتيّ، وذاك هو الإيمان الجدير بصفته، والتلاؤم مع سنن الكون والحياة. أمّا الأعمال الظاهرة ـ من عبادات وغير عبادات، إذا لم تكن منبعثة من الضمير، ولم تكن نيّة المرء أنّها للّه تعالى ـ فهي لا تمثّل أيّ نوع من أنواع الانسجام والتلاؤم مع تلك السنن.
فالإسلام الذي يعتبر مجريات الحياة كلّها عبادة، ويشترط فيها خلوص النيّة، أي أن تكون نابعة من الضمير والوجدان بطواعية وتسليم وأذعان، إنّما ينطلق من سنن الله في الكون والحياة. ومن أدلّة ذلك قوله تعالى: ﴿ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتّقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾ (سورة الأعراف 96). أي لأهّلناهم للعمل والإنتاج وساعدناهم وباركنا في جهودهم وجهادهم، وكانت لهم الخاتمة الهانئة، فذلك الإيمان المنبثق من النيّة، والمترافق مع (التقى)، هما تَناسُبٌ وتلاؤمٌ مع سنن اللّه تعالى، في الكون والحياة. ومثله قوله تعالى: ﴿ولو أنّ أهل الكتاب آمنوا واتّقوا لكفّرنا عنهم سيّئاتهم ولأدخلناهم جنّات النّعيم. ولو أنّهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربّهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، منهم أمّة مقتصدة، وكثير منهم ساء ما يعملون﴾ (سورة المائدة 65- 66).
وقوله تعالى: ﴿وما كان ربّك ليُهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون﴾ (سورة هود 117) دالّ على أنّ الإصلاح منجاة من الهلاك. ومعلومٌ أنّ الصلاح لا يتمّ إلا بالعلم النافع والعمل الصالح، وهذه سنّة أخرى من سنن الله في الكون والحياة.
وهكذا نجد الإسلام ـ في كلّ مبدأ من مبادئه العامّة، وكل قاعدة من قواعده الكلّيّة ـ منبثقا من التلاؤم مع سنن الله في الكون والحياة. وهذا ما نلاحظه في شتّى شؤون الحياة التي يمكن أن ينطلق فيها الإنسان من تلك المبادئ العامّة والقواعد الكلّيّة بالعمل والإنتاج في المجالات كافة من ميادين الاجتماع والاقتصاد والسياسة.
وبهذا المنظور فإنّ الإسلام قد نظر إلى الأديان الأخرى باعتبارها أديانا سماويّة منسجمة مع (سنن اللّه في الحياة والكون) كما وصف أتباع تلك الأديان، بأنّهم (أهل كتاب) وحدّد لهم مكانتهم في المجتمع من غير أدنى إساءة إليهم، بل حافظ على حقوقهم وشرّع لهم واجباتهم، وعدّ حمايتهم والمحافظة على كرامتهم من مهمّات المجتمع الجديد وهم جزء لا يتجزأ منه، كما دعا إلى الحوار معهم بالتي هي أحسن، إن كان ثمّة ضرورة لذلك الحوار. لذلك فلا يمكن ان يتوقع الباحث أن يكون التطوير الذي أدخله الإسلام على المجتمع البشري ـ في الجزيرة العربيّة أولا، وفي خارجها ثانيا ـ طارئا من خارج البيئة نفسها، بل هو نابع من البيئة ذاتها وحاجاتها ومتطلّباتها، متأسسا على الرؤى القرآنية ذاتها. ومن أبرز ميزات ذلك التأسس أنّه كان متميّزا بالحيويّة والديناميكيّة بعيدا عن الجمود والتكلّس انطلاقا من المقولة المعروفة: (مَغبونٌ من استوَى يوماه). فالجمود والتكلّس هما نقيضان للحيويّة الدفّاقة التي يهدف الإسلام إلى ترسيخها في نفوس الناس كلّ الناس، مسلمين وغير مسلمين. وتلك الحيويّة، هي أس أساسات بناء الحضارات الإنسانيّة على مرّ العصور، تلك الحضارات التي دعا الإسلام أتباعه إلى التحاور معها والإفادة منها من أجل مصلحة الناس، بالدرجة الأولى. ولذا فإنّ الإسلام يفرض على المجتمعات المسلمة (وبعبارة أكثر عصريّة: الدول المسلمة) أن تتحاور مع (الآخر) حتّى إن كان مختلف العقيدة والسلوك والرأي، وبخاصّة إذا كان ذلك (الآخر) أكثر رقيّا وتقدّما منها، ولو في جانب واحد من جوانب الحياة. ففي هذا الحوار نفع بيّن لها من أجل تطوّرها وتقدّمها على أسس من تراثها وشخصيتها. وإلاّ فإنّ المجتمعات (أو الدول) التي لا تأخذ بذلك الحوار إلى مداه المأمول، والتي لا تريد أو لا تقدر على الاستفادة والإفادة من تلك المجتمعات وإليها، ستخرج من متون التاريخ، وتتجمّد متخلفة لا عن عصرها، فحسب، بل عن دينها أيضا. وهذا الجمود المسبّب للتخلّف، أو التخلّف المسبّب للجمود، نقيض الإسلام تماما. فإذا استسلم المجتمع، أيّا كان، لذلك الجمود والضمور، فليس من حقّه أن ينسب نفسه للإسلام ولا يحق له أن يزعم أنه مجتمع مسلم، وذلك لأنّه ناقض واحدا من أبرز مبادئ الإسلام، وواحدا من أبرز مبررات ظهوره. حيث إن طلب العلم فريضة واجبة على كل مسلم ومسلمة. والجميع مأمورون بالسعي وراء العلم حتّى لو كان في الصين التي لم تكن في يوم من الأيّام من (ديار الإسلام).
وبلا ريب، فإن المجتمعات التي تنكمش على ذاتها، ستذوي وتموت تدريجيا، وتلك سُنّة من سنن اللّه في الكون والحياة، وهذا هو أحد مقاصد قوله تعالى: ﴿وترى كلّ أمّة جاثية، كلّ أمّة تُدعى إلى كتابها، اليوم تُجزون ما كنتم تعملون. هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنّا كنّا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾ (سورة الجاثية 28- 29). فالآية الكريمة تتحدّث عن (كتاب) للأمّة كلّها لا لفرد معيّن، أمّة جاثية بين يدي ربّها تُدعى لكتابها، وبموجبه تحاسب حسابا جَماعيّا، كما يحاسَب كلّ فرد حسابا خاصّا به. ومن الأمور التي سيُحاسبون عليها، عدم سعيهم وراء العلم وعدم أدائهم للعمل، وغير ذلك من أمور أوجبتها الأديان على النّاس.
فهل تستطيع مبادئ الإسلام العامّة وقواعده الكلّيّة أن تهيّء لمجتمع ما الأرضيّة المناسبة لتحوّله إلى مجتمع علميّ يحظى بالاحترام؟!
نعتقد أنّ الجواب سيكون إيجابا، إذا أدركنا أنّ عقيدة التوحيد ـ بشتّى جوانبها، بجوهريّتها الكامنة في أعماقها، والمفجّرة لإبداعاتها، والمتمظهرة في نشاطاتها وتطوّراتها نظريّا وعمليّا ـ هي القاعدة العريضة التي يمكن للمجتمع أن يشيّد بنيانه عليها، لأنّها توفّر لذلك المجتمع (وبالتالي للدولة) حلولا مقنعة وافية للمشكلات التي تجابه البشريّة. إن تلك الحلول تشكّل سرّ التألق الحضاري الذي ينطلق من جوهر الإيمان باللّه تعالى بناء على التصّور الإسلامي الواعي البعيد عن التعصب والتكلس والجمود والأغلال التي كبّل الناس أيديهم بها باسم المعروف والمنكر مِمَّا لا علاقة له بمعروف ولا بمنكر.
إن (التكامل) هو الطريق الوحيد الذي لا طريق سواه لأية نهضة من النهضات البشريّة، إذا كانت جديرة بصفتها، حريصة على تحقيق الـمُثُل الإنسانيّة الراقية. ومن أبرز صفات هذا (التكامل) أنّه حيوي يتمتّع بخصائص الحركة لا الجمود، يؤدي إلى توحيد مجالات الحياة بنظرة شموليّة. إن مثل هذا التكامل نجده واضحا فيما تؤدي إليه المبادئ العامّة والقواعد الكليّة التي جاء بها الإسلام، فتلك المبادئ العامّة والقواعد الكلية تقدم إمكانيات توحيدية في شتّى المجالات، نظرا لأنّها تريد أن تسمو بالإنسان، بعيدا عن غرائز الأثَرة والأنانيّة، وسائر الصفات المرذولة التي، هي بطبيعتها، معادية للقيم الإنسانية الرفيعة الهادفة إلى صنع التاريخ الحضاري بيد الإنسان، نفسه، ومن أجله، أيضا.
ويبدو لنا ـ بوضوح كافٍ ـ أنّ تلك المبادئ العامّة والقواعد الكلية التي جاء بها الإسلام تمكّننا ـ حين نتفهّمها بعقل متفتّح لـمّاح ـ من رسم منهجيّة تساعدنا في حل المشكلات التي لا بدّ من حدوثها في عمليات النمو والتطوّر. فالإسلام ليس نظريّة مهوّمة في الفضاء، لأنّه للناس نزل ومن أجلهم ظهر. ولأنّ تلك المطاليب المشروعة لا تهدف إلا إلى إنجاح الجهد المبذول من جميع أبناء المجتمع، (فكلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته) كما جاء في الحديث النبوي الشريف.
إنّ الإسلام وحسب مفاهيمه ومبادئه العامّة وقواعده الكلّيّة أبعد ما يكون عن الجمود والتكلّس، وعن الغلوّ التطرّف والإغراق فيما صار يسمَّى –خطأ- بالأصوليّة، ففهم الإسلام ـ كما أنزله الله تعالى ـ وتحريره من أثقال العصور التي كدّسها الناس عليه يمنح أتباعه الذين يفهمون مقاصده ومراميه حقّ فهمها، الروحَ الحيويّة الإبداعية التي تفجر طاقاتهم باتجاه بناء الحضارة والمدنية والرقي. مع ملاحظة أن تسمية التطرّف والغلوّ بالأصوليّة مجرد اصطلاح قابل للمناقشة، فالأصوليّة تعنِي العودة إلى الأصول، وليس في أصول الإسلام ما يدعو إلى التطرّف والغلوّ والتعصّب، بل على العكس من ذلك تماما. فقد جاء في التنزيل العزيز: ﴿لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على اللّه إلا الحق﴾ (سورة النساء 171). وإن كانت هذه الآية قد نزلت فيمن ألّه المسيح عيسى بن مريم، إلا أنّ مفهومها عامّ لكلّ غلوّ في الدين وتعصّب يدفع أصحابه إلى أن يقولوا على اللّه غير الحق. ومثلها: ﴿قل يا أهل الكتاب لا تَغْلُوا في دينكم غيرَ الحقّ ولا تتّبعوا أهواء قوم قد ضلّوا من قبلُ وأضلّوا كثيرا وضلّوا عن سواء السبيل﴾ (سورة المائدة 77).
وهذا الغلو والتعصب والتطرف الذي صار يسمى بالتيّار الأصولي (وهي مجرد تسمية اصطلاحيّة) ليس مقصورا على زمان دون زمان، ولا على مكان دون مكان، ولا على دين دون دين، ولا على ثقافة دون ثقافة لأنه يجسّد التعصّب الذي صار المتعصّبون وضيّقوا الأفق فيه وكأنّهم القيّمون على ضمائر الناس، وهذا التعصب ليس وليد الأزمنة الحديثة بل هو ملحوظ على امتداد التاريخ.
وبداهةً، فإن ذلك التيّار ليس له الحق في أن يعطي لنفسه تلك المكانة فالمسلمون مسلمون، ولا يحتاجون إلى مَن يشهد لهم بذلك، وتكفي الشهادتان اللتان أوجبهما اللّه تعالى، عليهم. وإذا كان الإسلام قد نهى الناس عن الغيبة والنميمة والنفاق، وصوّر ذلك بأبشع صورة يشمئز منها الإنسان، وذلك كي يقلع عن تلك الصفات المرذولة، حتى أن القرآن الكريم شبّه المتّصف بها كأنّه يأكل لحم أخيه ميتا: ﴿.. ولا يغتب بعضكم بعضا أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه﴾ (سورة الحجرات 12)، فمن الأولى أن يمنع التفتيش في ضمائر النّاس. ﴿فلا تزكّوا أنفسكم هو أعلم بمن اتّقى﴾ (سورة النجم 32). ﴿ألم ترَ إلى الذين يزكّون أنفسهم بل الله يزكّي من يشاء ولا يُظلمون فتيلا. انظر كيف يفترون على الله الكذبَ وكفى به إثما مبينا﴾ (سورة النساء 49). وبناء على هذه الآيات الواضحات فإنّ من يدّعي أنه أكثر إسلاما من الآخرين، أو أعمق إيمانا منهم، قد جانب الحقّ والصواب. ولو كان أكثر إسلاما وأعمق إيمانا ـ عن حقّ وحقيق ـ لما رأى في نفسه تلك الصفات، ولما شعر ـ ولو لحظة واحدة ـ أنّه أفضل من غيره إسلاما وإيمانا وتقوى. وبالتالي فعلى الحريصين على دينهم فعلا وقولا، أن يتجنّبوا هذه المزالق الخطيرة التي لا يقع فيها إلاّ من جهل ربّه وجهل نفسه.
الإسلام ـ ومنذ ظهوره ـ رفض التطرّف سواء كان ذا ادّعاء دينِيّ، أم كان ملتحفا بشعارات أخرى. ولذا حثّ جميع أتباعه على الصبر والوداعة ودماثة الخلُق وعلى المجادلة بالتي هي أحسن حين يكون ثمّة ضرورة لتلك المجادلة. ولذا جاء في الحديث الشريف: (كونوا دعاةً صامتين) أي أن يكون سلوككم حسنا كي تأسَروا قلوب الآخرين.
ونذكّر هنا بأنّ اللّه تعالى، حين أوحى لموسى أن يذهب إلى فرعون الذي طغى في الأرض، أمره أن يقول له قولا ليّنا، لا أن يواجهه بالقسوة والعنف: ﴿اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولا ليّنا لعلّه يتذكّر أو يخشى﴾ (سورة طه 43- 44). وذلك وسيلة للإقناع، والولوج إلى قلوب الناس عن طريق توعيتهم، أي عن طريق مخاطبة عقولهم، واستمالتهم طواعية لا إكراها ﴿لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي﴾ (سورة البقرة 256) ﴿فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها وما أنا عليكم بوكيل﴾ (سورة يونس 108).
ويمثّل الأخذ بهذه القاعدة التي تتحرّك بموجبها علاقات الحوار التزاما بالمبادئ العامّة والقواعد الكليّة للإسلام بعيدا عن التحريف والتشويه. ومن شأن الالتزام بذلك أن يحقق للمجتمع أمنه وسعادته، ويساعده في صياغة تاريخه الحضاري، وسلوك طريق الإنسانية والفطرة السليمة نحو التقدم والرقيّ والرفاه.
واتّساقا مع هذا، فإنّ الإسلام دعا إلى الالتزام بالقيم الأخلاقية العليا، وقيم العمل، في مواجهة ضغوط التخلّف وتحدّياته، وفي مواجهة الهبوط بالقيم الإنسانيّة الرفيعة. لذلك يأتي تركيز النصوص الإسلامية على قيم التواضع وطلب العلم والعمل البنّاء والتعاون والتكافل الاجتماعي والإخلاص والنزاهة وخدمة الآخرين (من استطاع منكم أن ينفع أخاه بشيء فليفعل). وتجنّب التكفّف والتواكل والكسل والإهمال والتواني عن العمل والإنتاج وطلب العلم، وهي القيم المستنبَطة من صريح آيات القرآن الكريم، وصحيح أحاديث النبي e.
وقد ترتّبت هذه الأمور في أحاديث نبويّة متعدّدة، منها ما أجمع عليه المحدّثون من انّه e قال: (على كلّ مسلم صدقة. قالوا: فان لم يجد. قال: فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدّق. قالوا، فان لم يستطع أو لم يفعل؟ قال: فيعين ذا الحاجة الملهوف. قالوا: فان لم يفعل؟ قال: يأمر بالخير. قالوا: فان لم يفعل؟ قال e: فيمسك عن الشرّ فانّه له صدقة).
وهكذا تتدرّج الأمور، من عمل الخير وإلى الإمساك عن الشرّ:
أ- العمل ونفع الناس.
ب- إعانة ذوي الحاجات.
ج - الأمر بالخير.
د ـ الإمساك عن الشرّ.
ومما لا شكّ فيه، أنّ التاريخ ـ قديمه وحديثه ـ حافل بكثر من صور الشّرّ من الخلافات والاختلافات المؤدية إلى إراقة الدماء وانتهاك القيم الإنسانية النبيلة. وليس ذلك وقفا على المنطقة العربيّة، كما قد يخيّل لبعض الكتّاب حين ينظرون إلى الصراعات القبليّة قبل الإسلام، ثم إلى ما حدث بعده من حروب الردة والفتن المتتابعة. إنّ هذه الظاهرة عامّة في تاريخ البشر، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا. فصار من أولى مهمّات الأديان وفي طليعتها الإسلام إيقاف تلك الخلافات والاختلافات عند حدودها، باعتبار أنّ الخلاف والاختلاف، في حدود الاجتهاد الشخصي النزيه، من طبيعة البشر، شأنها شأن الخير والشر ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربّك ولذلك خلقهم﴾ (سورة هود 118) ﴿إنا هديناه السبيل، إما شاكرا وإما كفورا﴾ (سورة الإنسان 3). ذلك أنّ من هذه الخلافات والاختلافات ما ليس شرا، وخاصّة إذا بقي في إطار الحوار البنّاء، والمجادلة بالتي هي أحسن، وسعة الصدور في تقبّل وجهات نظر الآخرين، ولكنّها، ستتحوّل إلى شرّ مستطير إن انتفت لغة الحوار، وتعطّلت المجادلة بالتي هي أحسن، وضاقت الصدور. وآنذاك سيحيق بالمختلفين التعصّب والغلوّ والتطرّف، ويذهب كلّ فريق مذهبا في محاولة فرض ما يراه على الآخرين.
وحتى في هذه الحالة المأزومة فإنّ الإسلام، بمبادئه العامّة وقواعده الكلّيّة، لا يستكين لتلك الصفات السيّئة والمصنّفة في خانة الشر، بل يواصل الدعوة إلى الألفة والالتقاء والحوار ما أمكن ذلك، لا بالنصيحة والتوجيه والوعظ والإرشاد فحسب، وإنما، أيضا، بالعمل على خلق الظروف الثقافية والاجتماعية الملائمة لتزكية الذات وتقبّلها لاختلاف الآخرين عنها في وجهات نظرهم. وتلك هي الوسيلة الأكثر جدوى لتحجيم الخلافات والاختلافات وما تولده من مشكلات، وردّها إلى معنَى الاجتهاد في الرأي، بحسب الحدود والضوابط الأخلاقية التي نادى بها الإسلام.
حين ظهر الإسلام، في جزيرة العرب، وهو يحمل في تضاعيفه مبادئه العامّة وقواعده الكلّيّة التي من شأنها أن تُحدث ـ حين تؤخذ بروحها ومؤدّاها ـ تطويرا دقيقا ومحسوبا للأوضاع الاجتماعيّة المأزومة والمترديّة، جوبه بمقاومة ضاريّة من حرّاس المصالح الأنانيّة الضيّقة، والقوى التي رأت أنّ الإسلام جاء لتحجيمها، على الرغم من أن بعض ما جاء به، لم يكن غريبا عن العرب، كما لم يكن غريبا عن غيرهم:
ـ فلقد دعا إلى التضامن الاجتماعي، وكان العرب- خاصّة ـ يؤمنون بضرورة ذلك، ومن المعلوم أن كل قبيلة ـ فيما قبل الإسلام وما بعده ـ كانت تلتزم بذلك المبدأ التزاما لا محيد عنه، تجاه كل فرد من أفراد القبيلة. وكل الذي فعله الإسلام في هذا المضمار أنّه وسّع من حدود التضامن ليشمل أفراد القبائل جميعا في مجتمع أكثر تجانسا مِمَّا كان عليه في الفترات السابقة.
ـ ودعا إلى العدل بين الناس، بغض النظر عن أجناسهم وألوانهم، وذلك مصداق قوله تعالى: ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ (سورة النساء 58) فلم يخصّص (العدل) بالمسلمين بل جعله عاما يجب أن تراعى مبادئه وقواعده في التعامل مع (الناس) كافّة.
ـ ودعا إلى نبذ الأصنام والأوثان، وحرّاسها وكهنتها. ولم تكن دعوته هذه جديدة على سكّان الجزيرة العربية، ولا مفاجئة لأهل الكتاب منهم، فقد كانت الجزيرة قد عرفت الأديان قديما، وكان فيها، عند ظهور الإسلام، طوائف شتّى من أهل الكتاب ومن (الأحناف) و(الحُمس) وغيرهم ممن كان يرفض عبادة الأوثان والأصنام. وكلّ الذي زاده الإسلام في عقائد القوم دعوته لا إلى نبذ الأصنام والأوثان، فحسب، بل القضاء على الكهنة والسدنة الذين كانت مصالحهم الضيّقة تقتضي إبقاء الأصنام والأوثان، واستغلال صغار العقول واستعبادهم، وتوريطهم، بالتالي في محاربة النبي الأكرم e ودعوته الجديدة.
ـ ودعا إلى التعارف والتآلف بين الناس جميعا، وقال: إنهم لآدم وآدم من تراب، وأنْه لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجميّ على عربي إلا بالتقوى. فكانت هذه الدعوة تجديدا لميراث قال به الأنبياء جميعا، بل كانت لقريش علاقات تجارية جيّدة مع الشام والحبشة وهما من المراكز النصرانية آنذاك. غير أن القوم استكثروا على الإسلام دعوته هذه. وكان من الأسباب التي برّر بها سادة قريش معارضتهم للإسلام، أنّه يريد أن يجعل الآلهة إلها واحدا، وأن يعامل بلال الحبشي ـ مثلا ـ كما يعامل أبا لهب وأبا جهل.
ـ ودعا الإسلام إلى إنصاف المرأة وإعطائها حقوقها. وهذه الدعوة لم تكن جديدة على الجزيرة العربيّة، سواء بمنظور الأديان السابقة، أم بالواقع الاجتماعي. فعلى الرغم مِمَّا نقرأ في القرآن الكريم وكتب التاريخ عن (وأد البنات) وعن الوجوه التي تسودّ إن بُشّرت بولادة الأنثى كما في قوله تعالى: ﴿وإذا بُشّر أحدهم بالأنثى ظلّ وجهه مسودّا وهو كظيم. يتوارى من القوم من سوء ما بُشّر به أيمسكه على هُونٍ أم يدسّه في التراب، ألا ساء ما يحكمون﴾ (سورة النحل 58- 59)، نقول: على الرغم من ذلك فإنّ هؤلاء نفر معدودون في بعض مناطق الجزيرة العربيّة. وهم أنفسهم الذين زعموا أن الملائكة إناثا، فنعى عليهم القرآن الكريم تلك الادّعاءات وسخر منهم، من حيث إنّهم نسبوا للّه ـ سبحانه وتعالى ـ ما هم له كارهون. ويثبت التاريخ أنّ المرأة العربيّة ـ ومنذ عصور ما قبل الإسلام ـ كانت لها منزلة اجتماعيّة رفيعة في مجتمع الجزيرة العربية. وصحيح أنّ تلك المنزلة تتفاوت في رفعتها أو ضَعَتِها ما بين منطقة وأخرى، إلا أنّها موجودة على أيّة حال، سواء في الزواج أم الطلاق أم الميراث أم المشاركة في الحياة العامّة، كالتجارة والهجرة وغيرها. وكلّ الذي فعله الإسلام، في هذا الصدد، أنّه رسّخ هذه المنزلة للمرأة وقنّنها وأعلن أنّها تعمّ كلّ النساء لا نساء منطقة دون أخرى، ومنع المساس بالمرأة وكرامتها، واعتبر من أكرمهنّ فهو الكريم، ومن أهانهنّ فهو اللئيم، كما جاء في الحديث النبويّ الشريف.
ـ ودعا إلى تشجيع التجارة وتحريم الربا، حرصا على دوران رأس المال فيما فيه صالح المجتمع، وتوظيف الأموال فيما من شأنه دفع عجلة الاقتصاد إلى التطور والنمو. فوقف المرابون في وجه دعوته، أما الذين كان المرابون يستغلّونهم، وهم كثر وخاصّة في مدن الجزيرة العربيّة، فقد ساندوا هذه الدعوة وأيّدوها.
ـ وقرّر الإسلام ضرورة طلب العلم من أيّ مصدر كان، شرقا أو غربا، في الصين أو غير الصين، ولم يكن العرب بعيدين عن هذا التوجّه، فقد كانت لهم حضارات سابقة، وكانت لهم حواضرهم، وكانت لهم مآثر علميّة تُظهر الكشوف الأثريّة، من حين لآخر، بعضا منها. ولم نسمع أو نقرأ أنّ أحدا من العرب الذين كانوا في بدء ظهور الإسلام وحتّى إلى ما بعد أربعة قرون من ظهوره، قد اعترض على تلك الدعوة. ولكن، حين بدأت حضارة المسلمين بالتفكّك والانهيار، وسرت فيها عوامل الضعف، كان من أبرز أسباب تعميق ذلك التفكك، وترسيخ ذلك الانهيار، ظهور أفراد تلبّسوا أردية الحرص على ما وجدوا أنفسهم قادرين على فهمه من الدين، فحرّموا طلب العلم، وقصروا مفهومه على ما لديهم من نقول ومرويّات. فكانوا عاملا إضافيا لترسيخ تخلّف الأمّة وانحطاطها، كما كانت مواقفهم تلك من نتائج التفكّك والانهيار، بمعنَى أنّ التفكّك والانهيار أدّيا إلى ظهور تلك المواقف، ثمّ إنّ تلك المواقف أدّت إلى ترسيخ تَينك الظاهرتَين: التفكّك والانهيار. ومن الأسف البالغ أنّ من هؤلاء بقايا ما تزال تعيش إلى اليوم وتروّج دعاواها الباطلة بالتناقض بين الإسلام والعلم، وأن علوم العصر الحديث علوم الكفر والزندقة، علما أنّ مروّجي هذه الأقوال يتنعّمون بمنجزات العلم في بيوتهم وتنقلاتهم واتصالاتهم ومخاطبتهم وكتابتهم ونشر ما يكتبون! والظاهر أنهم لم يفهموا الإسلام، على الوجه الذي أراده منزّله، سبحانه وتعالى، ولم يفهموا العلم باعتباره سلاحا ذا حدّين بحسب استخدام الإنسان له، وأن الإسلام يريد أن يوظّفه في الخير والنفع العام، لا أن يحرّمه ويمنع الناس من التمتّع بثمرات منجزاته. وعلى أية حال فقد جاء في تراث العرب: (الناس أعداء ما جهلوا).
ـ وحين قرّر الإسلام أن في الأموال حقوقا لذوي القربى والفقراء والمساكين وأبناء السبيل وغيرهم من المحتاجين، لم يكن ذلك إلاّ تطبيقا لمفاهيم التكافل الاجتماعي. وإلا فإنّ الله غنِيّ عن العالمين، وأن رسوله الكريم e يقول: (إنما بعثت نبيا ولم أُبعث جابيا). وعلى الرغم مِمَّا أشرنا إليه سابقا من أن التكافل الاجتماعي عادة عرفها العرب، غير أنّ تقنين الظاهرة عبر تشريع الزكاة وغيرها، سبّب امتعاضا لدى الذين تخيّلوها ضارّة بمصالحهم، فامتنع بعضهم عن أداء الزكاة، وصرفها بعضهم في غير ما سنّه الله لها، وفي غير مواضعها المحدّدة بالقرآن الكريم.
ـ وحين قرّر الإسلام منع قتل الأولاد (خشية الإملاق) أي الفقر، فإنما كان يدعو إلى العمل لإعالة الأولاد والتخلّص من شبح الفاقة والفقر. على العكس مِمَّا فهمه بعض الأعراب من هذه الدعوة قائلين: الأبناء أبناؤنا، والبنات بناتنا، ونحن أحرار فيهم.
هذه الأمور ذات صبغة اقتصادية/ اجتماعيّة، وهي على مساس بالسلوك العام لمجتمعات ذلك الزمن (وفي أزمان لاحقة أيضا) مِمَّا يجعلها على علاقة بقضيّة التطور المادي والمعنوي للإنسانية قاطبة، فهي من السنن الإلهية تبدأ وإليها تنتهي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الإنسان والسُّنَن الإلهيّة في الكون والحياة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى عشاق سوريا الأسد :: كوكتيل عشاق سوريا الأسد :: تاريخ & آثار & سياحة-
انتقل الى:  
مواقع صديقة
>