منتدى عشاق سوريا الأسد
عزيزي الزائر .. أهلا وسهلا بك في منتداك
انت غير مسجل لدينا
يرجى التسجيل .. لإعلامك بكل ماهو جديد ولمشاركتك معنا بآرائك


منتدى عشاق سوريا الأسد

إلى كل محبي الدكتور بشار الاسد
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» فضيحة:(أمريكا منعت مشروعنا بعائد 350 مليار دولارسنوياً!لمحور قناة السويس الذي قدمناه لمبارك!وعـمر! والسيسي!)( نتحدى أن يكذبنا أحد!)
الأحد أغسطس 09, 2015 7:15 pm من طرف النائب محمد فريد زكريا

» بتوجيه من الرئيس الأسد.. العماد أيوب يزور قواتنا العاملة في المسطومة ومحيطها بريف إدلب
الإثنين أبريل 13, 2015 3:28 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» «مُجتهد» يكشف السيناريو القادم لـ«عاصفة الحزم» .. ماذا قال؟!
الإثنين أبريل 13, 2015 3:25 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» هل الحرب على اليمن هي البداية لتنفيذ مشروع امريكا لتقسيم السعودية ؟؟
الإثنين أبريل 13, 2015 3:20 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» جبهات حماه تشتعل..
الإثنين أبريل 13, 2015 3:15 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» آل سعود من عزكم في ذل اليمن إلى ذلكم في عز اليمن
الإثنين أبريل 13, 2015 3:13 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» آلية لضبط الأفواه!!
الإثنين أبريل 13, 2015 3:03 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» "شمس" آل سعود بدأت بـ "المغيب"؟!!
الإثنين أبريل 13, 2015 3:01 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» «الخبر برس» تنشر كواليس محاولة انتقام السعودية من الجزائر
الإثنين أبريل 13, 2015 2:57 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» هل تجبر السعودية بوتين على الرضوخ في نهاية المطاف؟
الإثنين أبريل 13, 2015 2:53 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» التدخل السعودي في اليمن وتدخل إيران وحزب الله في سورية
الجمعة أبريل 10, 2015 4:29 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» مقالات المفكر العربي ناصر قنديل
الجمعة أبريل 10, 2015 4:28 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» نبيه البرجي: السلطان و حصانه الخشبي
الجمعة أبريل 10, 2015 4:22 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» بالتوازي مع الاتفاق الإطاري ادلب واليرموك بؤر إشغال .. والعين على دمشق
الجمعة أبريل 10, 2015 4:20 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» صراع الرايات الإرهابية في مخيم اليرموك.. «داعش» تحاول التمدد الى أطراف دمشق
الجمعة أبريل 10, 2015 4:08 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» السعودية حليفة «إسرائيل»
الجمعة أبريل 10, 2015 4:06 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» تصدع تحالف العدوان على اليمن * الغزو البري بين الخوف والرفض!
الجمعة أبريل 10, 2015 4:04 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» الإمام الخامنئي دام ظله: السعودية ستتلقى ضربة وسيمرغ أنفها بالتراب
الجمعة أبريل 10, 2015 3:59 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» أمين سر تحالف القوى الفلسطينية: مخيم اليرموك ذاهب باتجاه عمل عسكري تشارك فيه القوات السورية والفصائل لطرد داعش
الجمعة أبريل 10, 2015 3:58 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» تصريح مثير لأوباما.. هل أعطى الضوء الأخضر لشن «عدوان خليجي» على سوريا؟!
الجمعة أبريل 10, 2015 3:56 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» انتهاء الجولة الثانية من لقاء «موسكو 2» بالتوافق على ورقة البند الأول فقط
الجمعة أبريل 10, 2015 3:55 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» مفتي السعودية يخرج عن صمته ويرد على فتوى أكل لحم المرأة
الجمعة أبريل 10, 2015 3:53 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» ما صحة «الفرمان» الموجه لرعايا الملك سلمان من اللبنانيين؟! (خضر عواركة)
الجمعة أبريل 10, 2015 3:48 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» الخبر برس: سلاح الجو السوري يستهدف مقر «لواء براق الاسلام» بريف درعا ويقتل نائب «قائد» اللواء ومعه العشرات
الجمعة أبريل 10, 2015 3:45 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

» قيادي تركي معارض يروي لـ«الخبر برس» قصة العلاقات الاسرائيلية مع المسلحين السوريين (الحلقة الثانية)
الجمعة أبريل 10, 2015 3:44 am من طرف سعودية وعشقي سوريا

المواضيع الأكثر نشاطاً
مقالات المفكر العربي ناصر قنديل
صباحيات ناصر قنديل سلسلة يومية
مقالات وتقارير لمراسل قناة العالم الاعلامي حسين مرتضا
مقالات بقلم الكاتبة : دينيز نجم
اخطر وأقوى الفيديوآت لثورة فبرآير [ البحرين ]
متجدد: تغطية أحداث يوم الأحد 24 مارس 2013
مرحبا بكم في منتدى عشاق سوريا الاسد
خبر عاجل:اكتشاف مجرة جديدة فيها نجم واحد اسمه بشار الأسد
أنباء عن استهداف رئيس الوزراء السوري وائل الحلقي بانفجار في آخر أوتوستراد المزة بالقرب من المؤسسة العامة للاتصالات
الحزن يعم سوريا بعد وفاة ولي العهد السعودي !!

شاطر | 
 

 الحوار في الرؤية الإسلامية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الياس
مراقب عام
مراقب عام
avatar

ذكر
الحمل عدد المساهمات : 6669
تاريخ الميلاد : 07/04/1964
تاريخ التسجيل : 15/09/2012
العمر : 53
العمل/الترفيه : دكتور في تاريخ ومقارنة الأديان
المزاج : متفائل بنعمة الله

مُساهمةموضوع: الحوار في الرؤية الإسلامية   الأربعاء أكتوبر 10, 2012 2:49 am

الحوار في الرؤية الإسلامية

للحوار في الواقع ثمرات وإيجابيات عديدة في حياة البشر لكونها دعوة ربانية من الله -سبحانه وتعالى- لأنبيائه وعباده جميعاً، وإذا كان الخالق -عز وجل- قد حاور إبليس وهوالذي خالف أمره عندما طلب منه-عز وجل- أن يسجد لآدم وعصى ربه، فلذلك حكمة بليغة للبشرية جميعها في مسألة الحوار وضروراته، ومن هنا فلاشك أن للحوار ثمرات عظيمة للبشرية لأنها دعوة -جاءت- من خالق البشر، وهوالعارف بقلوبهم وعقولهم ونفسياتهم، وقد أثمرت الكثير من الحوارات عبر التاريخ الإنساني في مجال الدعوة والتربية والثقافة في إجلاء الكثير من الحقائق والتبصير بها والاهتداء للحق والصواب، وإيجاد المؤمن الصالح والمتواضع والمتوازن في حياته، وأوجدت المثقف المنفتح المبدع والمعرفة الحقة والكلمة الصادقة النافعة، وهناك الكثير من الثمرات في هذا الصدد يمكن سردها في الآتي:
1 ـ ثمرات الحوار في الدعوة
ثمرات الحوار في الدعوة كثيرة قد لا نستطيع أن نوافيها حقها من الشرح والتبيان، لكننا سوف نوجز بعضها في هذا الجانب، فالقرآن الكريم والسنة النبوية يمتلئان بالحوارات الإيجابية وثمراتها في الدعوة بين الرسل -عليهم السلام- وأقوامهم، وكيف كان الحوار هوالدافع إلى عودة الكثيرين منهم إلى الحق والاهتداء إلى الإيمان، فالدعوة في الأساس حوار، والقرآن الكريم - كما يقول الكثير من أهل العلم كتاب حوار بين الحق والباطل، بين أهل الإيمان، وأهل الضلال، بين الكلمة الصادقة النافعة والكلمة الخبيثة المنحرفة، وقد سرد لنا الكتاب الكريم في العديد من آياته كيف تم الحوار بين الأنبياء وأقوامهم وهوفي الأساس دعوة إلى الحق، وإلى الطريق القويم، والحق أن الكثير من الخلافات التي تدور بين الناس مردها إلى عدم فهم موضوع الخلاف من كل جوانبه، والنقص، أوالاستقصاء في القضية المطروحة بصورة متكاملة، أوإلى التقليد الأعمى، أوالتعصب الذميم، أوإلى الانقياد للهوى والمنافع الخاصة وغيرها من الأسباب، لكن بالحوار الإيجابي، وطرح مضامين ثاقبة وعادلة في الحوار سوف تتضح الكثير من الحقائق الغائبة - حتى وإن لم يستجب لها في تلك اللحظة، فان حكمة الحوار ستجعل المتحاورين يراجعون أنفسهم بعد ذلك. وهكذا تتحقق ثمرات الحوار في الدعوة بالتدريج(1).
فالدعوة من خلال الحوار ثمراتها كثيرة، ولعل الأمر الإلهي إلى أنبيائه باتخاذ الحوار طريقاً ومسلكاً مع أقوامهم لتبصيرهم بطريق الحوار إلى سبيل الحق القويم، هوالنموذج الذي يجب أن يحتذي في الدعوة لتحقيق ثمراتها الخيّرة، ولذلك انفتح هؤلاء الرسل على الحوار حول ما يطرحونه، وما يفكر به الناس، والرد على شبهاتهم وظنونهم، والخلل في تفكيرهم، فكان الحوار أقوى الثمرات الإيجابية عند من يود أن يتجاوب مع الحق ويتجرد من أنانيته وغروره، وكان هدف الأنبياء -عليهم السلام- في دعوتهم الحوارية مع الإنسان الضال بالكلمة الطيبة الوديعة كيف ينتصر على نفسه، من خلال الانتصار على رواسب الجريمة في داخله.. فيصبرون ليعلّموه كيف يكون الصبر في موقع الصراع، الصبر على النوازع الذاتية وعلى التحديات المضادة وعلى الوقوف مع الحقيقة بقوّة، وعلى روحية الحوار التي توحي له بالانفتاح الرحب على كل ما في الحياة من قضايا ومشاكل(2).
* ومن ثمرات الحوار في الدعوة ما نجده من خلال آيات القرآن الكريم التي تدعو إلى التدبر والتأمل والحوار والجدل بالحسنى، ولذلك حثّ الإسلام على الحوار والدعوة إليه بكل السبل، والدفع بالمسلمين إلى طرق أبواب المعرفة الحقة بكل وسيلة معقولة ومقبولة، والمتتبع لآيات القرآن الكريم يعرف كيف دعا كتاب الله المؤمنين إلى إتباع سلوك طريق الحسنى في حوارهم، وبيّن لهم حصاد ذلك من أنه يقلب العدو صديقاً والخصم الألد ولياً حميماً. ولهذا حرص القرآن الكريم على أنه يجب على كل من يحاور أو يجادل، أن يكون حواره دحضاً للباطل وإحقاقاً للحق، حتى يصل المجتمع الإنساني إلى الغاية التي رسمها -سبحانه وتعالى- له.
ومن خلال تتبع حوار الأنبياء المرسلين: نوح وهود وصالح وشعيب وإبـراهيم -عليهم السلام-، ومواقفهم من أقوامهم في محاوراتهم وتساؤلاتهم، ومقابلتهم كل غلظة وقسوة وجفوة وشدة في الخطاب بكل أدب رفيع، وسلوك كريم، وتوجيه صادق سليم، وتسامح ورحمة. نرى أنها لجديرة أن تحوّل كل عناد إلى انقياد، وأن ترد كل غواية إلى أدب وهداية، لوكانوا يعقلون. تلك من الدروس المستفادة، التي يجب أن ترتفع إليها مستويات الإنسانية اليوم، في المعاملة وفي التفاهم والمخالفة، وفي كل ميادين الحياة الزاخرة(3).
* كما أن الدعوة بالحوار تثمر للداعية الكثير من الإيجابيات من خلال حواره مع الآخرين سواءً الموافقون له أوالمختلفون معه، ومن هذه الثمرات أنّ الداعية في دعوته الحوارية يكتسب قوة وثقة ومعرفة وعلماً ووعياً بالآخر المختلف ونقاط ضعفه، والاستفادة من تجارب الآخر، واستخراج الرؤى الإيجابية منها، ومن هنا فإنّ الدعوة بالحوار تثمر انطلاقاً إيجابياً للإصلاح والتجديد، فعن طريقه يتحول إلى الاتجاه الصحيح، وبسببه تستجمع الطاقات قواها التنافسية، لمزيد من الاستجابة والتفتح للأفكار والأطروحات القيمة والنافعة(4).
* ولا شك أن ثمرات الحوار في مجال الدعوة يصعب حصرها، لكونها واسعة باتساع الدعوة التي انطلقت منذ بدء الخليقة، وقام بها الأنبياء والرسل -عليهم السلام- فهي في الأساس إستراتيجية قامت عليها الرسالات السماوية في جدلها المستمر مع الآخرين، فالحوار كان رمز قوتها من أجل إقناع الآخرين، وبذلك فإن قوة منطقها كان أساس نجاحها في الحوار الدعوي، واستقطاب المؤمنين، فأصبحت خالدة بخلود أفكارها التي رسخت في الأذهان"(5).
* ومن إيجابيات الدعوة بالحوار، وثمراتها الطيبة كذلك أنها تشيع المنظور الديني للإنسان والكون والحياة، حيث إنّ الداعية في حواره مع الآخرين يبرز الأفكار ويوضح القضايا التي قد لا تكون مطروحة بشكل أدق وأوضح للكثيرين، كما أنها تثبت الإيمان الحق في القلب من هذا المنظور الحواري بتبيان قدرة الله -سبحانه وتعالى- وعظمته، وتوحيده وقدرته، فالدعوة في هذا الجانب لها الكثير من المآثر والثمرات، ولعلنا نذكر قصة الهجرة إلى الحبشة، وكيف أنّ الحوار بالدعوة الصادقة أثمر فشل وفد المشركين إلى النجاشي، وكان على رأس وفد المشركين عمروبن العاص ـ قبل أن يدخل في الإسلام ـ، واستعان وفد المشركين على النجاشي برجال حاشيته، بعد أن ساقوا إليهم الهدايا، وقالوا لهم: إنّ ناسا من سفهائنا فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دين الملك النجاشي، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم. واتفقوا أن يشيروا على النجاشي بطردهم.
فلما فوتح النجاشي في الأمر، وكان رجلاً عاقلاً سليم التفكير، رأى أن لا بد من تمحيص القضية، وسماع أطرافها جميعاً. فأرسل إلى المسلمين فحضروا إليه، فقال لهم: ما هذا الدّين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من الناس؟
فقال جعفر بن أبي طالب -وكان هوالمتحدث بلسان المسلمين-: " أيّها الملك، كنّا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش.. فبعث الله إلينا رسولاً نعرف حسبه ونسبه، صدقه وأمانته وعفافه، فدعانا لوحدانية الله -تعالى-، وألاّ نشرك به شيئاً في العبادة، وأمرنا بصدق الحديث، وصلة الرحم، وحسن الجوار، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم... فآمنّا به، وصدقناه، فتعدى علينا قومنا، فعذّبونا، فلما قهرونا وظلمونا، جئنا إلى بلادك، ونرجووألا نظلم عندك...وبعد أن استمع النجاشي إلى كلام جعفر، وإلى كلام عمروبن العاص، ما كان منه إلاّ أن قال للمسلمين: " اذهبوا فأنتم آمنون، ما أحب أن لي جبلاً من ذهب وأنني آذيت رجلاً منكم. ثم رد هدية قريش إلى عمروومن معه وقال لهم: ما أخذ الله الرشوة مني حتى آخذها منكم ".
واستطاع المسلمون -بقيادة جعفر بن أبي طالب- أن يقنعوا النجاشي بسلامة موقفهم، وأن يجعلوه ينحاز إلى الحق الذي تسلحوا به، وأما المشركون -بقيادة عمروبن العاص- فقد باءوا بالفشل، وعادوا إلى مكة يجرون أذيال الخيبة، لأنهم أقاموا حوارهم مع النجاشي على الباطل، وعلى الإشاعات الكاذبة، التي يمجها العقلاء"(6).
ومن الأمثلة الحوارية في الدعوة إلى دين الله والمتمثل في الجهاد ضد البغي والعدوان ما حدث في غزوة بدر حين تجمع المسلمون للقاء الكفار وكانت آبار المياه أمامهم، وهنا نهض الحُباب بن المنذر -رضي الله عنه- وسأل رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "أهومنزل أنزلكه الله أم هوالرأي والحرب والمكيدة؟" فأجاب رسول –صلى الله عليه وسلم-: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة".
فقال الحباب: يا رسول الله ما هذا بمنزل، وأشار على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بالوقوف بحيث تكون آبار المياه خلف المسلمين فلا يستطيع المشركون الوصول إليها، وفعلاً أخذ برأيه الرسول –صلى الله عليه وسلم- وكان ذلك أحد عوامل النصر في تلك المعركة.
وإذا حاولنا تحليل هذا الموقف -كما يقول د/ محمد المهدي- نجد أن الحباب بن المنذر كان مسلماً إيجابياً على الرغم من أنه أحد عامة المسلمين، وكان أمامه من الأعذار لكي يسكت أويعطل تفكيره الكثير فهوجندي تحت لواء رسول الله –صلى الله عليه وسلم- الذي يتلقى الوحي من السماء وهناك كبار الصحابة أصحاب الرأي والمشورة، ولكن كل هذه الأسباب لم تمنعه من إعمال فكره، ولم تمنعه من الجهر برأيه الصائب، ولكنه مع ذلك التزم الأدب الرفيع في الجهر بهذا الرأي، فتساءل أولاً إن كان هذا الموقف هووحي من عند الله أم أنه اجتهاد بشري، فلما عرف أنه اجتهاد بشري وجد ذلك مجالاً لطرح رؤيته الصائبة، ولم يجد الرسول –صلى الله عليه وسلم- غضاضة في الأخذ برأي واحد من عامة المسلمين، وهذا الموقف يعطينا انطباعاً هاماً عن الجوالسائد في الجماعة المسلمة آنذاك، ذلك الجوالمليء بالثقة والمحبة والإيجابية وإبداء النصيحة وتقبل النصيحة(7).
* ومن ثمرات الحوار في الدعوة أنّ الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- صاحب رجلاً ذمياً، فقال له الذمي: أين تريد يا عبد الله؟ قال: أريد الكوفة. فلما عدل الطريق بالذمي عدل معه عليّ، فقال له الذمي: أليس زعمت تريد الكوفة ! قال: بلى، فقال الذمي: فقد تركت الطريق، فقال: قد علمت، فقال له فلم عدلت معي وقد علمت ذلك؟ فقال: هذا من تمام حسن الصحبة أن يشيع الرجل صاحبه هنيئة إذا فارقه وكذلك أمر نبينا، فقال له هكذا؟ قال: نعم، فقال له الذمي لا جرم إنما تبعه من تبعه لأفعاله الكريمة، وأنا أشهدك أني على دينك فرجع الذمي الذي مع علي وقد أسلم(Cool.
فالأسلوب الدعوي الحواري يلعب دوراً إيجابياً في مراجعة الشخص لأفكاره وتعامله مع الآخرين حتى إن المراجعة قد تتأخر بعض الوقت، لكن فن الحوار وأسلوبه وطريقته يؤثر كثيراً، لكنه يحتاج إلى صبر وحكمة، ولنا في الأنبياء والمرسلين النموذج والقدوة في هذا المضمار.
ومن هذه المنطلقات الإيجابية فإنّ المحاور يجني ثماراً كثيرة منها على سبيل المثال: التمتع بلباقة القدرة على فهم الآخر، والقدرة على تقليب الأمور والأفكار، والقدرة على خلق الاحتمالات التي يمكن أن يقصدها هذا الرأي أوذاك الموقف - والقدرة أيضاً على توجيه الكلام الآخر توجيـهاً حسـناً... إلخ(9).
ومن ثمرات الحوار في الدعوة أن الداعية يبعد عن التعصب بحكم إدارة الحوار مع المخالفين، ولذلك تجد الداعية المحاور ينفتح كثيراً مع الآخرين من خلال الحوار، والآخر أيضاً ينفتح هوالآخر على الرأي المقابل، ويتقبل رأيه وربّما يتوافق معه، ولأن الانفتاح الإيجابي على الآخر يقره النظام الكوني والتشريعي والاجتماعي(10).
والحقيقة أنّ ثمرات الدعوة في الحوار كثيرة -كما أشرنا إلى ذلك- إلاّ أنّ الكثير من الجماعات العاملة في الحقل الإسلامي تفتقد كثيراً إلى الحوار الداخلي، وهذا النقص في الحوار جرّ الكثير من المآسي عليها وعلى بلدانها، والشواهد كثيرة ومتوفرة لوأردنا إعطاء أمثلة في هذا المضمار، وهؤلاء للأسف يطالبون أتباعهم -كما يقول د/ محمد المهدي- بالطاعة العمياء دون نقاش أونقد، والاستجابة السلبية " لكل أوامرهم اعتقاداً بأنّ هذا يحقق مفهوم الجندية في هؤلاء الأتباع، وكم من مآس حدثت بسبب إلغاء الأتباع لعقولهم والاكتفاء بالطاعة العمياء للزعيم أوالأمير.
وليس معنى هذا أن يتحوّل المجتمع المسلم إلى أفراد متناحرين بآرائهم دون اتفاق، وإنّما يجب عند مواجهة أي قضية عامة أن يدلى كل صاحب رأى برأيه بأمانة ومسؤولية، ثم تجمع هذه الآراء لدى أهل الحل والعقد فيفندونها ويناقشونها، ثم يتخذ القرار الصحيح بناء على تلك الرؤى المتعددة وحين يتخذ القرار ويبدأ التنفيذ فعلى أفراد المجتمع المسلم أن يتعاونوا جميعاً في تنفيذ ما اتفق عليه حتى ولوكانت آراؤهم الفردية تختلف معه ولا يصح لفرد أن يشق الصف بعد أن يتفق أهل الحل والعقد على رأي معين، وهذه المبادئ غاية في الأهمية للمحافظة على سلامة الصف الإسلامي وتماسكه "(11).
وإذا انتقلنا إلى الغرب وتابعنا انتشار الإسلام في القارة الأوروبية لوجدنا أنّ الدعوة كانت السبب الأساسي في الانتشار العظيم للإسلام في الغرب ولا يزال، وعلى الرغم من الحملة الشعواء عليه، ووصمه بالإرهاب، والشرّ الكامن فيه، وظلم المرأة و..و.. الخ، فإنّ الدعوة بالحوار أثمرت دخول الآلاف سنوياً إلى الإسلام بفضل الله، ثم بجهد الدعاة الذين لا يملكون إلاّ الكلمة الصادقة والمحاورة الأمينة والقدوة الحسنة.. وهنا يقول: هنري دي كاستري "إنّ الإسلام ما دخل بلداً إلاّ صار ذا المقام الأول بين الديانات، والسبب في ذلك بلا شك الدعوة وقوامها الحوار - وعلى هذا يتحقق أنّ الإسلام لم ينتشر بالقوة والعنف" بل الأقرب للصواب أن يقال: إنّ كثرة مسالمة المسلمين، ولين جانبهم كان سبباً في سقوط المملكة العربية. ولقد يعجب المؤرخون من سرعة انتشار الإسلام، حتى بلغ نهر اللوار في فرنسا، ويتساءلون ما الذي كان يصير إليه حال أوروبا؟. لولم يقف(كارلوس مارتل) في وجه المسلمين في سهول (بواتيه) ونحن نرى أنّ هذا السؤال موضوع وضعاً مقلوباً. والأولى أن يقال: ماذا كان يصير إليه حال أوروبا المسيحية لوكان المسلمون متعصبين. لأنّ انكسارهم في "بواتيه" ليس سبباً كبيراً يكفي لأن يعوق الإسلام عن الانتشار(12).
وهذا هوالصحيح لأن انتشار الإسلام بالدعوة في الغرب يفوق التصور، وليس هناك جهودٌ خارقة في هذا الانتشار العظيم للإسلام في الغرب، بل هي أسهل الوسائل وأبسطها.. إنها ثمرات الحوار.. والكلمة الصادقة.. والقدوة الحسنة..﴿أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ صدق الله العظيم.
2 ـ ثمرات الحوار في التربية
ثمرات الحوار في التربية في اعتقادي هي أكثر الثمرات رسوخاً وتأصلاً ونجاحاً، باعتبار أن التربية هي الأقوى في مرحلة التأسيس والنشأة، والتربية الحوارية عظيمة وهي الأجدى في ترسيخ مفاهيم الحوار، وقبوله عندما نربي المجتمعات على الحوار واحترام الرأي والرأي الآخر وقبوله عند ظهور علامات الحق بين المتحاورين...إلخ.
وإذا استقرينا الكثير من آيات القرآن الكريم والصور المتعددة للحوار: بين الأنبياء وأممهم " أوبين أهل الجنة وأهل النار، بعضهم مع بعض، أوبين أهل الجنة والنار وبين أصحاب الأعراف، وما قام به الرسول – صلى الله عليه وسلم- ما أجراه من حوار، وما حكاه لنا من صور المناجاة بين العبد وربّه عند قراءة القرآن، لخرجنا بمعان متعددة مختلفة للحوار القرآني والنبوي، يصعب احتواؤها بتعريف يجمع كل معانيها، وأشكالها؛ لأنها ليست على نمط واحد، ولكنها من حيث المغزى والمرمى تؤدي أهدافاً مشتركة "(13).
وهي في أصلها تأسيس للحوار والاختلاف بمضامينه العديدة ووفق القضايا المطروحة، لذلك فإنّ هذه الآيات هي التي تربي أسلوب الحوار والرد على المخالفين والحجة والبرهان، وإعطاء الأمثلة المختلفة لدعم الحجة وقبولها من الناحية التربوية لذلك نرى أنّ القرآن يتولى صياغة أسئلة وأجوبة تغني عن جواب المشركين، ليقيم عليهم الحجة بها، وليتم تقرير ما يراد تقريره، مما يلزمهم الإقرار به، بالبرهان والحجة، لزوماً منطقياً ناشئاً عن بداهة المقدمات التي صيغت في أسئلة المرحلة الأولى التي تحكي واقعهم أوتعبر عما هومشاهد بالحسّ والواقع فلا يمكن إنكاره.
والمثال الآتي خير دليل على ذلك، وهوالحوار القرآني مع المشركين الوارد في قوله تعالى: ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحيّ من الميت ويخرج الميت من الحيّ ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون، فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون﴾(سورة يونس: 31-32).
فهذا الحوار يقوم على سؤالهم عما يعترفون به من فضل الله ورزقه.. ذلك أنّ مشركي العرب لم يكونوا ينكرون وجود الله، ولا أنّه الخالق والرازق والمدبر. إنّما كانوا يتخذون الشركاء للزلفى، أويعتقدون أنّ لهم قدرة إلى جانب قدرة الله، فهويأخذهم بما يعتقدونه، ليصحح لهم ذلك الاعتقاد عن طريق هذا الحوار الذي يوقظ وعيهم الفطري "(14).
وقد احترم الإسلام العقل، واعتبره طاقة عظيمة أودعها الخالق في الإنسان، ولذلك نجد آيات القرآن الكريم تركز على ترسيخ الحجة البرهانية بالحوار ومخاطبة العقل كما في الآيات السابقة، إذ نجده يأخذ في تدريب الطاقة العقلية على طريقة الاستدلال المثمر والتعرف على الحقيقة، فيتخذ إلى ذلك وسيلتين:
*الوسيلة الأولى هي وضع المنهج الصحيح للنظر العقلي.
* والوسيلة الثانية هي تدبر نواميس الكون وتأمل ما فيها من دقة وارتباط. والوسيلة الأولى يصل إليها بطائفة من التوجيهات والتدريبات: فهوأولاً يبدأ بتفريغ العقل من كل المقررات السابقة التي لم تقم على يقين، وإنّما قامت على مجرد التقليد أوالظن. فينعي على المقلدين الذين يقولون: "إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون" ! قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا. أولوكان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون؟! "وينعي على الذين يتبعون الظن: " إن يتّبعون إلاّ الظنّ وما تهوي الأنفس " " إن يتّبعون إلاّ الظنّ وإنّ الظنّ لا يغني من الحقذ شيئاً "(15).
كما أنّ الله -سبحانه وتعالى- جادل منكري البعث وحاورهم -من خلال رسله عليهم السلام- ورد عليهم، ولذلك حكمة لا شك في هذا ليعلمنا أسس الاستدلال والرد على الشبهات ودحضها بالحوار، وكأساس تربوي قويم بتحقيق ثمراته الإيجابية وبالأدلة " العقلية المفحمة، مبيناً أن الشبهات التي أثاروها لا تستند إلى دليل عقلي، إذ إن العقل لا يحيل إعادة الأجساد مرة أخرى، فمن المعلوم بالبديهة أنه لا يمكن لأحد أن يثبت أوينفي وجود شيء في مكان أوزمان إلاّ بأن يطّلع أويخبره مطّلع إذا كان وجود هذا الشيء أوعدمه لا يتناقض مع العقل، وليس مستحيلاً في حكمه"(16).
ومن الدلالات الأخرى في الحوار والمحاجة والاستدلال مع الآخر أورد القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تبرز أسلوب الحوار المنطقي والبرهاني لإقناع الكفار والمشركين بأنّ طريق الحقّ هوالأقرب إلى الصواب وعبر تحكيم العقل، وهوأيضاً تبيان للمسلمين وتربية لهم بأنّ الإقناع والحوار هوالسبيل الأجدى لتصحيح الأخطاء وتقويم المفاهيم المغلوطة، وهذا بلا شك له نتائج إيجابية وثمرات طيبة للمربين، ولعل إجابة نبي الله إبراهيم -عليه السلام- عندما سأله قومه عن تكسير أصنامهم هي إجابة عقلية منطقية برهانية فقال لهم:"اسألوهم إن كانوا ينطقون" فسيجيبونكم عن سؤالكم، فلما رجعوا إلى أنفسهم وثابوا إلى رشدهم لحظة من الزمان حكموا على أنفسهم بأنهم هم الظالمون في اتخاذ الأصنام عبادة، لكن الشيطان استحوذ عليهم وعادوا مرة أخرى إلى تفكيرهم، وعقلية القطيع(17).
وإذا ما بذرنا قيم الحوار والتواصل فإننا سنجني ثمار هذا الغرس، بأنْ ننشئ جيلاً متوازناً وإيجابياً ومتفاعلاً مع مجتمعه ومحيطه وعالمه، إلى جانب أنّ هذا الغرس سوف يحررهم من الخوف والتردد والتوجس من الآخرين المختلفين عنهم، وينمي فيهم روح الإيجابية والمنافسة والتفاعل والتأمل، والترجيح بين الآراء، وغيرها من الإيجابيات، ولذلك فإن التربية الإسلامية الصحيحة المنفتحة على الحوار هي التي ترفض الظنّ والتخمين وتطالب بالدليل: ﴿وما يتبع أكثرهم إلاّ ظناً، إنّ الظّنّ لا يغني من الحق شيئاً، إنّ الله عليم بما يفعلون﴾ (سورة يونس: 36)، ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ (سورة النمل:64)، وهي تربية تعرف حدود العقل دون أن تنقص من قدره ﴿ولا تقف ما ليس لك به من علم إنّ السّمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا﴾ (سورة الإسراء:36)(18)
وفي عصرنا الرّاهن ومع مجيء تطبيقات العولمة وآثارها العديدة فإننا أحوج ما نكون إلى الحوار بالتربية للاستعداد لهذه المرحلة الجديدة التي أصبح الاختراق فيها مسألة قسرية وفرضية لا خيار لنا فيها، وهذا بلا شك يجعل من هذه القضية في مقام الضرورة لتنشئة جيل جديد يؤمن بالحوار مع الآخر ويبصر إيجابيات الانفتاح من سلبياته حتى يستطيع على الأقل أن يتفاعل مع القيم الصالحة، ويحتاط للقيم المنحرفة أوالسلبية، التي ستدخل علينا اقتحاماً وليس اختياراً، ونحن لا نتحدث عن توقع أوخيال وإنّما نتحدث عن واقع وحقائق قائمة حيث تستباح مجالات الفضاء بصورة نهائية، ويسيطر الأقوى تكنولوجياً على فكر العالم وعقله، فتسهل عليه في كافة الشؤون الأخرى في الوقت الذي يصبح فيه العالم النامي عديم الحيلة أمام تلك القوى التي تمتلك الوسائل وأساليب الدعايات العديدة.
وسوف تضطر هذه الدول إلى فتح أبوابها على مصراعيها أمام هذا التطور المفروض بمنظمة التجارة العالمية "الجات" تحت مسميات دعم التفاهم بين الشعوب وتقديم الثقافة والفكر لبلورة حوار الحضارات والتواصل الإعلامي الجديد وتعميم التكنولوجيا والمعلوماتية "الإنترنت" عبر الفضاء.
فلا مفر من التعامل مع هذا الواقع الفضائي وهذا الاختراق الثقافي الجديد بكل إمكاناته الرهيبة.
فالهروب والعزلة أوالاعتزال عن المواجهة معناه أننا سنخسر مواقع جديدة وأرضية يمكن كسبها فيما لوقبلنا التحدي بشجاعة المواجهة وبجدية المصارحة في تناول قضايانا ومشكلاتنا عبر وسائل التقنية الفضائية(19).
والشيء الغريب أنّ مبادئ التربية الدولية التي صدرت في توصيات اليونسكوفي نوفمبر 1974م تدعوإلى عكس ما تطرحه العولمة، والتي هي في الأساس نتاج للفكر الغربي وتطلعاته للسيطرة وربّما القضاء على التعددية، وعدم التسامح مع الهويات والثقافات الأخرى..ومن التوصيات في هذا الصدد:
أ ـ إضفاء بعد دولي وإطار عالمي على التربية في جميع مراحلها وبكافة أشكالها.
ب ـ السعي إلى فهم واحترام جميع الشعوب وثقافاتهم وحضاراتهم وقيمهم وأساليب حياتهم، بما في ذلك ثقافات الإثنيات المحلية وثقافات الأمم المتـحدة.
ج ـ الوعي بتزايد التكافل بين الشعوب والأمم على الصعيد العالمي.
د ـ تنمية القدرة على الاتصال بالآخرين والحوار معهم.
هـ ـ عدم اقتصار الوعي على الحقوق وحدها بل شموله واجبات الأفراد والفئات الاجتماعية والأمم كل منها إزاء الأخرى.
وفهم ضرورة التضامن والتعاون الدوليين.
ز ـ تنمية استعداد الفرد للإسهام في حلّ مشكلات مجتمعه المحلي ووطنه والعالم أجمع(20).
* ومن ثمرات الحوار في التربية أنّها تصنع الإيجابية وحسن التعامل مع الآخرين، وتبعد التفكير السلبي.. وقد طلب منا -سبحانه- عند الحديث مع الآخر المختـلف أن نحاوره (بالتي هي أحسن)وهي تربية إلهية عظيمة، وفي آية أخرى ﴿ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾. هذه الآية الكريمة دعوة للإيجابية، فالله -سبحانه وتعالى يقول لك: كن إيجابياً في الطريقة التي تتصرف بها وتتعامل فيها مع الآخرين. كن إيجابياً في مشاعرك تجاه الآخرين، وفي الحديث معهم وفي مواقفك تجاههم، كن إيجابياً لدرجة أنّ الذي بينك وبينه عداوة ليس فقط مثل الصديق، بل يصبح مثل الصديق الحميم جداً، والقريب من النفس. لكن مَنْ يمكنه الوصول إلى هذه الدرجة العالية والمستوى الرفيع من التعامل والأخلاق؟ إنّه الذي يصبر ويحتسب، ويفتح عقله وقلبه للآخرين. ومثل هذا الإنسان رزقه الله -سبحانه وتعالى- حظاً عظيماً على أخلاقه العالية وصبره واحتسابه. ويقدم لنا رسولنا –صلى الله عليه وسلم- قدوة رائعة في التفكير الإيجابي والنظرة الإيجابية إلى الأمور(21).
* كذلك تأتي ثمرات الحوار في التربية من خلال غرس الثّقة في الشخص لمناقشة الآخرين ومحاورتهم، وعدم الهروب من المواجهة والجدل، لأنها لا تصنع أجيالاً قادرة على التفكير السليم والمنطقي، ذلك أنّ " الإنسان الفاقد للثقة بنفسه لا يتمكن من التفكير، أوربما لا يفكر، وان كان قادراً عليه، ثم لا يجزم بنتيجة تفكيره، إذ سيقول أبداً، أنا أقل قدراً من معرفة الحقيقة وهكذا يخطئ فكره وان كان صواباً، لأنه لا يعترف بإمكانية توصل هذا الفكر إلى حقيقة، والحقيقة أنّ فقدان الثقة يعني فقدان الذات في مقابل وجدان الذات والتي هي تعبير عن الوعي الذي هوبدوره شرط للمعرفة، والشجاعة أمام أفكار الآخرين، فيتعامل معها وفق المقاييس السليمة، لا تهور في الرفض، ولا رهبة أوخضـوع، وإنّما حالة اعتـدال يتم على أثرها الموقـف السليم "(22).
* ومن هذه الإيجابية أيضاً في الحوار تربوياً الموقف السليم من أفكار الآخرين ومعتقداتهم من حيث الاستعداد النفسي لقبولها ومناقشتها والقبول بمبدأ الحوار، وحرية طرح الأفكار، والتدليل على صوابها، وإقامة البراهين على صحتها، ونقض ما ينافيها، بروح رياضية، وأخلاق عاليـة ضمن قاعدة(ولا تبخسوا الناس أشياءهم) ولا ننسى في هذا السياق أنّ القرآن الكريم عرض الحوار حتى مع المشركين والكافرين كما في آيات كثيرة ليحقق الإسلام بذلك المعجزة الكبرى في إعطاء الـحرية للآخرين في اختبار أفكارهم وعقائدهم.."(23).
وإذا رجعنا إلى مدرسة النّبوة فسنجد فيها الكثير من الثّمرات العظيمة للحوار وإيجابياته. ومن هذه المآثر العظيمة للتربية الصالحة للحوار عدم الإساءة إلى المحاور أوغيره ولوأخطأ، وقد كان النبي –صلى الله عليه وسلم- "إذا أراد أن ينبه إلى خطأ ولم يشأ التصريح قال: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا"، ونجد ذلك تحت عنوان "باب من لم يواجه النّاس بالعتاب" من كتاب الأدب للبخاري -رحمه الله-: " صنع النبي –صلى الله عليه وسلم- شيئاً فرخّص فيه؛ فتنزه عنه قوم فبلغ ذلك النبي –صلى الله عليه وسلم-، فخطب، فحمد الله، ثم قال: ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية"، ولذلك يجب أن تستمع إلى المحاور ولوأنّك تراه مخطئاً وتجيبه في لباقة " إنّني أرى رأياً آخر قد أكون مخطئاً فيه فلنختبره معاً " وأقل شيء تجنيه من هذه اللباقة أن تبث في محدثك روح العدل والإنصاف، فيحاول أن يتخذ الموقف نفسه الذي اتخذته، ويسلم بأنه هوالآخر قد يكون مخطئاً "(24).
* كذلك نجد ثمرات الحوار في التربية تكسب المرء التعبير عن رأيه دون خجل أوخوف، وهذا يتم اكتسابه بالتربية والتعامل المتدرج وبناء الثقة -التي أشرنا إليها آنفاً- وفي السنة النبوية مواقف عديدة لهذا النوع من التربية الطيبة وثمراتها القيمة في النشء، منها قصة الطفل الذي لم يتجاوز عمره العاشرة الذي كان على يمين النبي –صلى الله عليه وسلم- وكان على شماله كبار الصحابة، " ومن المعروف أنّ السّنة المطهرة تقتضي أن يشرب من هوعلى اليمين أولاً فنظر إليه الرسول –صلى الله عليه وسلم- وقال له: " هل تأذن لي أن أعطي من هوأسّن منك أولاً(أي من هوأكبر منك سنّاً)، فقال الصغير بحزم وعزم: لا يا رسول الله، والله لا أرضى أن يشرب بعدك أحد قبلي !!
فتبسم النبي وأعطاه الإناء ليشرب منه قبل كبار أصحابه، فيا له من تعليم حكيم يعلمنا إياه الرسول -عليه الصلاة والسلام-، حين يجعل من حق الطفل أن يعبّر عن رأيه، وأن يقول ما يعتقد أنه الصواب والحق، كذلك فإن هذا الموقف يعلمنا أنّ احترام رأي الطفل هـوالمنهج الصحيح لتخريج الرجال، إذ لا يمكن أن يصبح رجلاً ناضجاً من يحـرم من التعبير عن رأيه، ومن يفتقد إلى التقدير والاحترام "(25).
* كما أن من ثمرات الحوار التربوي أنه يكسب صاحبه العقلية الناضجة في الحوار والتفكير العقلي المرتّب، ذلك أن العقل نعمة من أجلّ النّعم " التي أنعم الله -جل وعلا- بها على النّاس. وهووسيلتنا الأساسية في استثمار المعلوم من أجل الوصول إلى مجهول في عمليات نسميها(التفكير) إنّ كفاءة عقولنا بوصفها مبادئ وإمكانات فطرية، وبوصفها مكتسبات ثقافية وخبرات حياتية - تظل مرتبطة بمدى ملائمة تجهيزاتنا العقلية والثقافية للقضايا والموضوعات التي نريد اجتراعها والإمساك بها. وقدراتنا الذّهنية مهما كانت فذة ومتفوقة فإنها في النهاية محدودة. وبسبب هذه المحدودية تظل هناك فجوة ما بين وضعنا الإدراكي وبين طلاقة الإرادة والطموح والتطلع، مما يجعلنا نشعر دائماً بالعجز والارتباك الذهني حيال القبض على الواقع. إنّنا لا ندرك سوى القليل من الأحداث الجارية والفرص السانحة والعقبات المعترضة. ولذا فإننا حين نفكر نشعر بأن ما لدينا من معطيات ليس كافياً لإصدار أحكام قاطعة، ونظل نشعر أننا نقف على أرض غير صلبة، صاحب العقلية الناضجة يدرك هذه المعاني. وهذا الإدراك يملي عليه ضرورة الاحتياط في إطلاق الأحكام والتعميمات "(26).
كذلك فالمدرسة الإسلامية الأولى أرست مفاهيم عظيمة للحوار الإيجابي والتأويل المنطقي البعيد عن الأهواء والنظرة الضيقة، فالحوار في وقتهم كان العامل الرئيسي في الفهم والإدراك والعمق لقضايا النص ومحتواه ومفاهيمه القطعية والفرعية بخلاف عصرنا الحاضر للأسف، حيث إنّ الاختلاف الفرعي يقحم أحياناً وكأنه قطعي، أومن ضمن الأصول التي لا تقبل الاختلاف أوالتأويل، ومن هذه المدرسة نخرج عمالقة فقه الحديث والسيّر والتاريخ...إلخ.
ولذلك كان الاختلاف بينهم -كما يقول أحمد البراء الأميري- في فهم النصوص أمراً طبيعياً " اقتضته حكمة الله. وشتّان بين من يقول: إنّ هذه الآية -تأويلها- خطأ، وإن هذا الحديث بعيد عن الصواب، وبين من يقول: إنّ فهم فلان لهذه الآية أوذاك الحديث خطأ، وأنا أرى رأياً آخر، أوأرجح فهماً آخر.
وهؤلاء هم الصحابة الكرام، معدن اللغة العربية، وفهمهم حجة فيها -اختلفوا في فهم كلام النبي– صلى الله عليه وسلم- وهوسيد الفصحاء والبلغاء.
روى البخاري ومسلم -رحمهما الله- في صحيحيهما، عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنّ النّبي –صلى الله عليه وسلم- لما رجع من الأحزاب قال: " لا يصلي أحد العصر إلاّ في بني قريظة "، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم، لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد ذلك منا، فذكر للنبي –صلى الله عليه وسلم- فلم يعنف أحداً منهم وأقرهم على فعلهم.
"فالنص -إذن- شيء وتفسير النص أوفهمه شيء آخر.إن الاختلاف في وجهات النظر- بدل أن يكون ظاهرة صحية تغنى العقل المسلم بخصوبة في الرأي، والاطلاع على عدد من وجهات النظر، ورؤية الأمور من أبعادها وزواياها كلها، وإضافة عقول إلى عقل - انقلب عند مسلمي عصر التخلف إلى وسيلة للتآكل الداخلي، والإنهاك، وفرصة للاقتتال، حتى كاد الأمر يصل ببعض المختلفين إلى حد التصفية الجسدية، وإلى الاستنصار والتقوي بأعداء الدين على صاحب الرأي المخالف"(27).
فقد انتهجت نهج الانفتاح على مضادات الآراء بما أتاحته من حرية القول والاحتجاج والنقد، وقد اتخذ النبي –صلى الله عليه وسلم- شعاراً له هو" أشيروا "عليّ أيها الناس وهوشعار تربوي يهدف إلى تربية المسلمين على الفكر النقدي المقارن بإتاحة الحرية الواسعة في القول والحجة، وإلا فإن الحق بائن لديه إذ هوالمؤيد بالوحي المعصوم من الخطأ" (28).
وهذا ما تؤيده كل القرائن الدالة على نتائج ثمرات الحوار في التربية في أنها توجد المناخ الحر، والرأي النقدي، والموضوعية في التعامل والحوار، والإيجابية في التناول وغيرها من المعطيات والرؤى المختلفة.
3 ـ ثمرات الحوار في الثقافة
الثقافة هي الوعاء الذي تصب فيه كل التجارب والخبرات وطرائق العيش، والمخزون الفكري والعطاء الإبداعي...إلخ، ولذلك فإنّ الثقافة من أبرز مكونات حركة الحياة في المجتمعات الإنسانية بوصفها الذخيرة المشتركة لأي أمة من الأمم تنتقل بها من جيل إلى جيل عبر تاريخ طويل من الأفكار والعادات والسلوكيات والمعتقدات وغيرها من المعطيات في هذا المضمار(29).
لذلك فإن ثمرات الحوار في الثقافة كبيرة وهامة بقدر ما للثقافة من أدوار وتأثيرات في كل الأنساق الفكرية والسلوكية في المجتمعات عبر العصور، لكن الذي يكسب الحوار الثقافي إيجابياته وبعده الإنساني القويم هوالتعدد الثقافي والقبول به. فالتعدد في الثقافات البشرية عبارة عن تعدد في مسارات مختلفة " يسلكها بمجرد سعيه لسبر أغوار العالم، ومحاولة التعرف على حقيقته. إن هذه الحركة تشبه حركة الماء المراق على الأرض عندما يأخذ بالانتشار بكل الاتجاهات الممكنة ما لم يمنعه مانع؛ فالفكر يتحرك في الفضاءات التي تواجهه ما لم تحد من حركته موانع، كما أنه قابل لأن يتوجه وجهة خاطئة إذا ما تم فرض هذا التوجه عليه، وإذا وضعنا في اعتبارنا علاقة هذا الفكر بحركة الواقع، وكونه القوة التي تجر الحياة البشرية وراءها بأي اتجاه سارت، عرفنا خطورة وأهمية عملية تشكيل الأفكار وخطورة الأغلاط التي يقترفها الوعي وهويحدد علاقته بموضوعاته. "(30).
من هنا تبرز ثقافة التفاعل والتنوع كنتيجة للحوار في مقتضياته العديدة، وكثمرة للقبول بالآخر ومحاورته بهدف توطيد جسور التواصل، وفي غياب الحوار الثقافي نفتقد بالتالي إيجابياته وثمراته الكبرى، وتثمر في مقابله ثقافة الاستبداد بحديث يقود المجتمع إلى حالة سلبية من عدم التوازن وعدم الترابط، وبالتالي وضع المجتمع في إطارين ؛ إمّا التصادم بين الأفكار والاتجاهات المتعارضة والوصول للصدام المادي، أواضمحلال الكل في فكر واحد واتجاه تسلطي منفرد؛ مما يعني انقراض الإبداع، وموت التنوع، وإقصاء الاجتهاد، والتوقف التام عن الحركة الحيوية المستمرة.
أيضاً فإن الاستبداد(يتناقض) مع الحوار، فمع وجوده(يتراجع) الحوار؛ لأنه يمثل اعترافاً بالآخر، ومن ثم إذعاناً للتعددية والتنوع، وهذا أمر ترفضه الدكتاتورية، وفي الوقت نفسه فإن قطع الطريق أمام الحوار يقود تدريجياً إلى تسلط الرأي المنفرد، وإقصاء الرأي الآخر(31).
فالحوار الثقافي يثمر أيضاً ثقافة الانفتاح المحضة ضد الاختراق، ذلك أن الانغلاق - كما يقول د/ محمد عابد الجابري - موقف سلبي غير فاعل. والطريقة الإيجابية للتحصين الذاتي أن يكون الحوار الداخلي قائماً ومترابطاً من هنا فإنه سيكون متماسكاً حتى في حالة عدم التكافؤ في القدرات والإمكانات المختلفة بيننا وبين الآخر، مع وجوب إرساء ديمقراطية يتم بها "وفي إطارها تحرير الثقافة من السياسة، وذلك برفع جميع القيود عن حرية التعبير التي من دونها لا تفكير ولا حوار ولا إبداع. إنّ الاستقلال الثقافي يبدأ من استقلال الفكر، وليس هناك من بديل للفكر المستقل غير التبعية للغير أوالجمود على التقليد. والحوار الذي توفره الديمقراطية الحقة في إطار تكافؤ الفرص وضمن الإستراتيجية الثقافية.. هووحده القادر على أن يحفّز عملية "التجديد من الداخل"، عملية تبيئة الحداثة وجميع مكتسبات الفكر الإنساني المعاصر بالصورة التي تجعل من الاتصال والتواصل مع الثقافات الأخرى عصر إغناء وإخصاب، لا عامل استلاب واستسلام(32).
ومن ضمن ما قام به الإسلام عند انطلاقته العظيمة أنه اتخذ الحوار طريقاً إلى الإنسانية، فأثمر هذه الحضارة العملاقة التي تفاعلت مع كل الحضارات في ذلك العصر "بوتيرة لا سابق لها في تاريخ البشر. فتوسعه في آسيا كما في أفريقيا وأوروبا قد أتاح له أن يكون بوتقة عملاقة انصهرت فيها ثقافات عدة. وهكذا نشأت حضارة أصيلة عالمية الطابع، متخذة العربية لغة مشتركة. وقد شكّلت مرحلة حاسمة في التاريخ الإنساني. فقد قدمت الحضارة الإسلامية أسماء لامعة يعتد بها على المستوى العالمي في ميادين المعرفة كافة: الأدب، علم اللغة، المعاجم، التشريع، اللاهوت، التصوف، التاريخ، الجغرافيا، رواية الرحلات واكتشاف البلدان القصية، الملاحة، الرياضيات، الفلك، الموسيقى، الفلسفة، الطب، الكيمياء، النبات، الفن والعمارة. إنه التراث الثقافي الكلاسيكي الذي يستمر درسه واستكشافه "(33).
* وأيضاً من ثمرات الحوار في الثقافة أن هذا الحوار يسهم في التعايش مع ثقافة الآخر وفكره ورؤاه من منطلق القبول بالتعدد الثقافي والإقرار بها، وهذا في حد ذاته غنىً للثقافة نفسها، وقوة لعناصرها الذاتية، يضاف إلى ذلك أن نظرتنا للقبول بالآخر والتعايش معه تعد جزءاً لا يتجزأ من ثقافتنا وحضارتنا وديننا الحنيف، لذلك فإن من المهم تعميم ثقافة القبول بالآخر والتعايش معه والدفاع عن حقه في التعبير ما دام يلتزم القوانين والأنظمة المرعية، وهذا ما يدفعه أيضاً للقبول بالحوار الثقافي والتعايش معه(34).
* كما أن من ثمار الحوار في الثقافة أنه ينمي التفاعل الحضاري بين الأمم والشعوب من خلال هذا التفاعل، ومع أن لكل أمة سلّمها الحضاري، وحيزها في هذا السلم ودرجته إلا أن هذا التفاعل يتنامى مع الحوار الثقافي، ويترك أثره وتأثيره بالتراكم الثقافي، ويكون أقدر على الثبات والتأصيل، والأقدر أيضاً على الحوار الثقافي والحضاري مع الحضارات والثقافات الأخرى بحكم تفاعلها الثقافي معهما(35).
* والحوار الثقافي تتجلى ثمراته وإيجابياته أيضاً في منظومات القيم التي هي أحد مفاهيم الثقافة الجمعية لأية أمة من الأمم بوصفها النتاج الثقافي والاجتماعي لها، حيث يتفق عليها المجتمع من خلال تشريعات وقوانين ولوائح فأصبحت تشكل جزءاً لا يتجزأ من كيانها الشخصي والمجتمعي، وأصبحت أنماط سلوك متعارفاً عليها، لا يجوز خرقها بأي شكل من الأشكال، والذي يحاول من الأفراد التمرد عليها يتهم (بالانحراف). وقد تكون قيماً مرحلية تنعدم خواصها بمجرد انقضاء المرحلة الزمنية التي تواجدت فيها تلك المفاهيم.
من هنا فإنّ القيمة تدخل في صميم التكوين الثقافي الجمعي والفردي على حد سواء، لأن الثقافة المميزة لأية مجموعة توضع على شكل مفاهيم وقيم وأنماط سلوك، ومنظومات معرفية تحققت لدى أنساق متتالية من الجماعات البشرية عبر مراحل متعددة "(36).
* ومن ثمرات الحوار أيضاً في الثقافة أنّ هذا الحوار يسهم إسهاماً إيجابياً في الانفتاح السياسي، أوعلى الأقل الاقتراب من الديمقراطية المختلفة، وهذه الديمقراطية -بغض النظر عن المسميات والمصطلحات- تقترب كثيراً من مفهوم الشورى في الإسلام من حيث التعدد في الآراء، والاختيار الحر النزيه للأشخاص الذين يتصدون للعمل العام، وكذلك القبول بنتائج الانتخابات... إلخ: حتى إن الشيخ أبا الأعلى المودودي " وهوأكثر العلماء المعاصرين انتقاداً لبعض النظريات الغربية بما فيها الديمقراطية، قد قال في كتابه " مفاهيم إسلامية حول الدّين والدولة ": " كان الصحابة أكثر حباً للديمقراطية وأشد الناس تمسكاً بالحرية الفكرية، ولم يكن الخلفاء يكتفون باحتمال نتائج الحرية الفكرية من قبل الناس، بل كانوا يستثيرون هممهم.ولم يدّع أحد من الصحابة أنه لا يخطئ. وأبوبكر هوالقائل: "هذا رأيي فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن خطأ فمني وأستغفر الله. وعمر هوالقائل:" لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة "(37).
وفي وجود ثقافة الحوار ومعطياته وتحدياته الاجتماعية والفكرية فإن الإبداع الحقيقي في الثقافة ينموويزدهر ويثمر جَرَّاء ذلك نتاجاً أصيلاً، ذلك أن النواة الحقيقية للإبداع هي التفاعل "الخلاّق بين المثقف وواقعه. وهذه العلاقة تنتج معالجات وإبداعات تنسج واللحظة التاريخية. فتفاعل المثقف مع الواقع لا يعني الخضوع إلى معوقاته أوالدخول في نفق تلك المقولة السلبية "ليس في الإمكان أبدع مما كان" فالتفاعل الذي نعنيه هوالتهيئة اللازمة للشروط النفسية والعقلية، لجعل الأديب أوالمثقف يستوحيان من الواقع الأعمال الأدبية والثقافية، كما أن الأرض الخصبة التي تؤهل الأديب أوالفنان لعمليات الإنتاج الأدبي أوالثقافي المبدع، هي التي تشكل الرهان الإبداعي المبتغى في عملية البناء الثقافي، ولكي يكون المنجز عملية واعية في أفقها الصحي والانفتاحي للرؤى والقضايا الوطنية والقومية، وفي مسارها المنسجم مع راهنها بظروفها الإيجابية والسلبية بعيداً عن الأطياف الخادعة والمقولات الواهمة"(38).
من هنا فإن ثمرات الحوار أيضاً أكسبت الصحابة في العصر الأول الإسلامي ممارسة الحرية في الاجتهاد وطرح الأفكار والآراء المتعلقة بالشؤون العامة، وهي ممارسة أقرها الإسلام ودعا إليها، فكان الصحابة - رضوان الله عليهم- يتحاورون ويتناقشون مع النبي –صلى الله عليه وسلم- في قضايا عديدة منها ما يتعلق بالاجتهادات الدنيوية وشؤون الحرب " حتى النساء، كما في قصة خولة بنت ثعلبة في شأن حكم الظّهار، وقصة الحباب بن المنذر بشأن موضع النزول في معركة بدر الكبرى، في موقع قريب من الماء، ومنع المشركين الوثنيين من الاستفادة من هذا الموقع الاستراتيجي، وهناك أمثلة كثيرة مع النبي–صلى الله عليه وسلم-. وكان تشاور الصحابة في سقيفة بني ساعدة لاختيار الخليفة بعد الرسول –صلى الله عليه وسلم- مثلاً أعلى للحرية في النقاش والحوار واختيار الأصلح، وإتمام البيعة لأبي بكر -رضي الله عنه-، الذي توج هذه البيعة بخطابه السياسي الرائع حيث قال: بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
" أما بعد أيها الناس، فإني قد ولّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني..".
وسار الخلفاء الراشدون من بعده على هذا المنهج، فهذا عمر يقول: "فاتقوا الله عباد الله ! وأعينوني على أنفسكم بكفّها عني، وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحضاري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم"(39).
لذلك يجب الاتفاق على ترسيخ فكرة النقد في المجتمع، وأن لا عصمة للأفكار التي تطرح من الأشخاص -أي كانوا- عدا ما اتفقت عليه الأمة بعصمته في دستورها وقوانينها المرعية - كالرسالات السماوية والأنبياء، ولذلك فإن غياب النقد معناه أننا نسير إلى الخلف، ومن ثم فإن تصحيح الأخطاء لن يتم في ظل غياب النقد، ومستلزماته التقويمية، وهذه إشكالية ثقافية وفكرية خطيرة مع الوقت، وما أصاب الأمة في عصرنا الراهن من نكسات وتراجعات وانتكاسات كان بسبب غياب النقد، والشورى والديمقراطية والحرية...إلخ:
ومن هنا تأتي ضرورة النقد وتفعيله في المجتمع، وهذه مسؤولية تقع على الأمة كلها لأجل تحقيق " الذات والوصول بها إلى الكمال المطلوب، وتتعمق المسؤولية بالنسبة للجيل الواعي من مثقفي الأمة وكتاّبها الفاعلين في الوسط الاجتماعي، من أجل إخراج المجتمع من دوامة المشاكل، وإنفاق العزلة الفكرية المقتصرة على البعد أو الاتجاه الواحد ولتحقيق ذلك نحتاج إلى شجاعة من نوع خاص في ممارسة النقد البناء، لفهمنا للمفاهيم الإسلامية المرتبطة بالعمل الاجتماعي ومدى اقترابها وملاصقتها للفهم الواقعي خصوصاً في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها عالمنا الإسلامي - الغزوالثقافي المعولم وعلاقات التطبيع المختلف مع العدوالصهيوني- وهذا يلفت أنظارنا إلى ضرورة تفكير جميع القوى والفاعليات المنتشرة على الساحة الإسلامية العريضة، لأجل القيام بعملية شحذ الهمم واستنفار الجهود والقيام بعملية مسح شاملة للأفكار وبعض المسلمات والمواقف من الآخر ونظرتنا للواقع، من حيث الطوباوية والواقعية وفهمنا للموروث الثقافي والنصوص الدينية المرتبطة بالعلاقات الاجتماعية ومع الفرقاء والمنافسين(40).
ولعلنا لا نغالي إذا قلنا: إن الحوار الثقافي في كل المجتمعات يلعب دوراً إيجابيّاً في التغلب على العنف والتطرف والتعصب، لأنه يسهم في إلغاء الاحتقان داخل المجتمعات، ويعمل على انسيابية الحوار وهو بذلك يفتح الانسداد المغلق على الفكر الأحادي عند بعضنا تجاه الأفكار التي تقبل النقاش والحوار، ومن ثم تنفتح آفاق التعدد والتنوع والتسامح. وبهذه الخطوات تأتي ثمرات هذا التوجه، ولنضرب أمثلة على ذلك ما جرى في مصر منذ فترة وجيزة، عندما جرت حوارات ومراجعات لبعض التنظيمات السياسية الدينية حيث أعلنوا عن خطأ منهجهم الفكري في العنف وتغيير المنكر بالقوة، وهذا لم يتم إلا بالحوار بينهم وبين بعض العلماء، وبين بعضهم بعضاً، فالحوار بشكل عام، والحوار الثقافي بشكل خاص يسهم إسهاماً إيجابياً في مراجعة المرء لفكره ومنهجه، لكن حين تقمع الآراء، وتمارس القوة التعسفية لتغيير الأفكار وإقصائها، فالرد الطبيعي على ذلك أن "حالات العنف والتعصب تنمو في ... (البقية مرسلة في الأسفل).


عدل سابقا من قبل الياس في السبت ديسمبر 15, 2012 8:56 am عدل 5 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سعودية وعشقي سوريا
مراقبة عامة
مراقبة عامة


انثى
عدد المساهمات : 29420
تاريخ التسجيل : 17/05/2012

مُساهمةموضوع: رد: الحوار في الرؤية الإسلامية   الخميس أكتوبر 11, 2012 12:40 am

يعطيك العافية دكتور الياس

اصدقك القول

المقال طويل ..ولكني قرات اجزاء منه

مقال يستحق القراءة بالكامل

رائع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الياس
مراقب عام
مراقب عام
avatar

ذكر
الحمل عدد المساهمات : 6669
تاريخ الميلاد : 07/04/1964
تاريخ التسجيل : 15/09/2012
العمر : 53
العمل/الترفيه : دكتور في تاريخ ومقارنة الأديان
المزاج : متفائل بنعمة الله

مُساهمةموضوع: رد: الحوار في الرؤية الإسلامية   الأربعاء ديسمبر 12, 2012 2:41 pm

للحوار في الواقع ثمرات وإيجابيات عديدة في حياة البشر لكونها دعوة ربانية من الله لأنبيائه وعباده جميعاً، وإذا كان الخالق قد حاور إبليس وهو الذي خالف أمره عندما طلب منه الله أن يسجد لآدم وعصى ربه، فلذلك حكمة بليغة للبشرية جميعها في مسألة الحوار وضروراته، ومن هنا فلاشك أن للحوار ثمرات عظيمة للبشرية لأنها دعوة جاءت من خالق البشر، وهو العارف بقلوبهم وعقولهم ونفسياتهم، وقد أثمرت الكثير من الحوارات عبر التاريخ الإنساني في مجال الدعوة والتربية والثقافة في إجلاء الكثير من الحقائق والتبصير بها والاهتداء للحق والصواب، وإيجاد المؤمن الصالح والمتواضع والمتوازن في حياته، وأوجدت المثقف المنفتح المبدع والمعرفة الحقة والكلمة الصادقة النافعة.

ولكن في زماننا هذا لكثرة من يدَّعون أنهم الدعاة ولكن للأسف في الضلال وليس في الحق كما يقول القرآن: "تعالوا إلى كلمة سواء تجمع ....". أصبح الحوار ... حوار الطرشان.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الياس
مراقب عام
مراقب عام
avatar

ذكر
الحمل عدد المساهمات : 6669
تاريخ الميلاد : 07/04/1964
تاريخ التسجيل : 15/09/2012
العمر : 53
العمل/الترفيه : دكتور في تاريخ ومقارنة الأديان
المزاج : متفائل بنعمة الله

مُساهمةموضوع: رد: الحوار في الرؤية الإسلامية   السبت ديسمبر 15, 2012 8:54 am

تتمة الموضوع:

المجتمع، حيث يدخل الجميع في دوامة العنف والتعصب، بحيث تشمل جميع دوائر السياسة والثقافة والاجتماع.. فـ (حين يتعثر مولد الرأي لا يبقى إلا الاعتراض، والاعتراض بدوره محكوم عليه منذ البداية أن يكون صراعاً حدياً، ولا سبيل أمامه إلا أن يغتصب ذات أدوات الصراع المباشرة التي تمتلكها السلطة، وبذلك لا تكون سياسة في ظل الحراب، حراب الدولة وحراب المعترضين. فليس غريباً إذن أن تتعسكر السياسة العربية منذ نشأتها الأولى، عند كلا قطبيها: الحاكم والمحكوم، في معظم الأقطار المشرقية التي سبقت إلى دخول عصر الاستقلال الوطني، وواجهت مبكرة في آن واحد إستراتيجية التنمية السريعة في بناها الاقتصادية والاجتماعية وإستراتيجية الاختراق من قبل الاستعمار الجديد"(41).
وعندما يغلق باب الحوار مع بعض أفراد المجتمع الذين يحملون أفكاراً متطرفة أو مخالفة للنهج الإسلامي الصحيح في بعض القضايا، فإن أفضل مواجهة أن تتم محاورتهم ومناقشة أفكارهم، لذلك فإن أروع دعوة في هذا المضمار ما طرحه المفكر الإسلامي د/ أحمد كمال أبو المجد. عندما قال بصوت عال في حديث عن العنف والغلو: "كفوا عن استخدام عصا الأمن" في مواجهة الأفكار ما دام أصحابها لا يتجاوزون دائرة التعبير الهادئ والدعوة بالكلمة المقروءة والمسموعة، واذكروا أن "الغلو" الذي ندينه جميعاً ظاهرة مركّبة لها أبعادها الاجتماعية والاقتصادية، وأنه لا يصلح في علاجها أسلوب "العنف" والملاحقة بالأذى، وراجعوا سجلاتكم وسجلات الحكومات في كل مكان، وسوف تجدون أن العنف لم يولد إلا عنفاً، وأن تجاوز الحدود في ملاحقة أصحاب الفكر أياً كان صواب هذا الفكر أوخطؤه لا يزيدهم إلا إصراراً، ولا يزيد دعواتهم إلا انتشاراً"(42).
الحوار الثقافي ثمرة عظيمة في حياة المجتمعات وأثره يمتد إلى كل مجالات الحياة، بحكم ما تمثله الثقافة من تأثير وامتداد لكل مناحي النشاط الإنساني، المهم أن تصدق النيات، وتتبلور المواقف، وتلتقي الأفكار والأطروحات حول الهدف الأسمى للخير والرقي والتقدم. وهو في النهاية ضرورة إنسانية، يجب انتهاجها وقبولها كصيغة إيجابية لكل المشكلات والتوترات والانسدادات السياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الحوار في الرؤية الإسلامية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى عشاق سوريا الأسد :: كوكتيل عشاق سوريا الأسد :: تاريخ & آثار & سياحة-
انتقل الى:  
مواقع صديقة
>